ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٨٠ - ١٧٩ - ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة
الباب العشرون
قال رضي اللّه تعالى عنه:
١٧٩- ربّما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة
قلت: الكرامة الحسية هي خرق الحس العادي: كالمشي على الماء، و الطيران في الهواء، و طي الأرض، و نبع الماء، و جلب الطعام، و الاطلاع على المغيبات، و غير ذلك من خوارق العادات.
و الكرامة المعنوية: هي استقامة العبد مع ربه في الظاهر و الباطن، و كشف الحجاب عن قلبه حتى عرف مولاه، و الظفر بنفسه، و مخالفة هواه، و قوة يقينه و سكونه و طمأنينته باللّه، و المعتبر عند المحققين هي هذه الكرامة. و أما الكرامة الحسية فلا يطلبونها و لا يلتفتون إليها، إذ قد تظهر على يد من لم تكمل استقامته، بل قد تظهر على يد من لا استقامة له أصلا: كالسحرة و الكهان، و قد تظهر على أيدي الرهبان، و ليست بكرامة إنما هي استدراج. قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان و شهود العيان، و كرامة العمل على الاقتداء و المتابعة و مجانبة الدعاوي و المخادعة، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مغترّ كذاب، أو ذو خطإ في العلم و العمل بالصواب، كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضا فجعل يشتاق إلى سياسة الدواب، و خلع المرضيّ، قال: و كل كرامة لا يصحبها الرضا عن اللّه و من اللّه فصاحبها مستدرج مغرور، أو ناقص أو هالك أو مثبور انتهى. و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: ليس الشأن من تطوى له الأرض فإذا هو بمكة أو غيرها من البلدان، إنما الشأن من تطوى له صفات نفسه فإذا هو عند ربه. قلت: و الكرامة الحقيقية هي الاستقامة على الدين، و حصول كمال اليقين، و أما خوارق العادات الحسية فإن صحبتها الاستقامة ظاهرا و باطنا وجب تعظيم صاحبها، لأنها شاهدة له بالكمال مما هو فيه، و إن لم تصحبها استقامة فلا عبرة بها. و الغالب أن أهل الباطن كرامتهم باطنية، ككشف الحجب و مزيد الإيمان، و معرفة الشهود و العيان، و كذلك عقوبة من آذاهم جلها باطنية لا يتفطنون لها، كقساوة القلب و الانهماك في الذنوب، و الغفلة عن اللّه، و البعد عن