ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٠١ - ١٩٣ - من علامة اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات، و التكاسل عن القيام بالواجبات
و هاهنا ميزان آخر تعرف به العمل الذي فيه حظ النفس و هواها، و ما لا حظ لها فيه هو أن تعرض عليها الموت، و أنت في ذلك العمل، فإن رضيت بالموت و هي في ذلك العمل، فالعمل صحيح، و إن لم ترض بالموت و هي في ذلك العمل، فالعمل باطل، فكل عمل لا يهزمه الموت فهو صحيح، و كل عمل يهزمه الموت فهو باطل، يعني فيه الهوى و الحظ، و كذلك الإنسان يزن نفسه بهذا الميزان ليعرف هل رحل من هذا العالم أو هو باق؟ فيعرض الموت على نفسه في حال عافية و جمال، فإذا قبلت الموت، و لم تفر منه فليعلم أنه رحل من هذا العالم، و إن لم تقبل نفسه الموت و طلبت البقاء ففيه بقية بقدر ما تفر منه، و باللّه التوفيق.
ثم ذكر الشيخ ميزانا آخر يعرف به اتباع الهوى من الحق، فقال:
١٩٣- من علامة اتّباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات، و التّكاسل عن القيام بالواجبات.
قلت: هذا ميزان آخر، و إن شئت قلت: هو داخل في الميزان الأول، إذ من شأن النفس أن يثقل عليها الواجب لمشاركة الناس لها فيه، إذ جلّ الناس يفعلونه، فلا يظهر لها فيه مزية على غيرها، و هي أبدا تحب الخصوصية، بخلاف النوافل فإنها تبطش إليها و تحب أن تنفرد بها، إما لطلب المدح و الثناء، و إما لطلب الأجور من القصور و الحور، و هذا كله عند المحققين من الحظوظ الجلية أو الخفية، فالمسارعة إلى نوافل الخيرات، و فضائل الطاعات مع التكاسل عن الفروض الواجبات من علامة الهوى، فيجب على الإنسان أن يقدم الفرض الواجب، و لا يقدم عليه إلا ما هو من كماله: كانوافل قبله و بعده إعانة على الحضور فيه، فإن حصل الحضور استغنى عن الوسيلة، و النافلة الكبرى عندنا: هي الاستغراق في مشاهدة مولاه بين فكرة و نظرة، أو ما يوصل إلى هذا المقام من مذاكرة أو ذكر، و من رفض الدنيا بحذافيرها و غاب عن نفسه و جنسه فقد جمع الفرائض و النوافل كلها و لو بات نائما و ظل مفطرا. و في بعض أخبار سيدنا داود ٧ قال: يا رب أين أجدك؟ فقال له: اترك نفسك و تعال: أي غب عنها تجدني أقرب إليك منها. و قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: عليك بورد واحد و هو إسقاط