ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٩٦ - ١٢٧ - كيف تخرق لك العوائد، و أنت لم تخرق من نفسك العوائد
و تحقق العرفان، و الترقي إلى مقام الإحسان، و هذا هو المعتبر عند الأكياس و هو المطلوب من سائر الناس. و أما خرق العوائد الحسية فقد تكون لمن ليست لهم خصوصية: كالسحرة و أرباب الشعوذة؛ نعم من جمع بينهما خرقت له فيهما فكيف تطلب أيها المريد أن تخرق لك عوائد نفسك حتى تدخل حضرة قدسك و أنت لم تخرق عوائد نفسك، فما حجب النفس عن الشهود إلا ما تعودته من رؤية هذا الوجود، فلو غابت عن رؤية هذا الوجود لتحقق لها أمر الشهود، و لا يمكن أن تغيب عنه إلا بخرق عوائد نفسها. و قد تقدمت حكاية الرجل الذي كان مع أبي يزيد ثلاثين سنة فلم يذق شيئا، فقال له: لو صليت ثلاثمائة سنة لم تذق شيئا، لأنك محجوب بنفسك، ثم قال له: اذهب الساعة إلى الحجام و احلق رأسك و لحيتك، و انزع هذا اللباس و اتزر بعباءة، و علق في عنقك مخلاة و املأها جوزا، و اجمع حولك صبيانا و قل بأعلى صوتك: يا صبيان من يصفعني صفعة أعطه جوزة، و ادخل السوق و أنت على هذه الحالة حتى ينظر إليك كل من عرفك، ثم قال له: فلا مطمع لأحد فيما حجب عن العامة من أسرار الغيب حتى تموت نفسه و يخرق عوائد العامة، فحينئذ تخرق لك العوائد و تظهر لك الفوائد انتهى. و تقدمت أيضا في باب الخمول قصة الغزالي و الششتري و المجذوب و غيرهم ممن خرقوا العوائد، فخرقت لهم العوائد، و ظهرت لهم الفوائد. و أما من بقي مع عوائد نفسه فلا يطمع أن يتمتع بحضرة قدسه. قال الشيخ أبو المواهب رضي اللّه تعالى عنه: من ادعى شهود الجمال قبل تأدبه بالجلال فارفضه فإنه دجال، و لا جلال أعظم على النفس من خرق عوائدها: كتبديل العز بالذل، و الغنى بالفقر، و الجاه و بالخمول و غير ذلك. و قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا، و حكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا، فلا مطمع في نيل العز باللّه حتى يتحقق بالذل له، و لا في نيل الغنى به حتى يتحقق بالفقد مما سواه. و قال أبو حمزة البغدادي رضي اللّه