ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٠٨ - ٢٧٣ - فصدف عن هذه الدار مغضيا، و أعرض عنها موليا
و ببابك أناخ التائبون انتهى، اللهم إنا قد وقفنا ببابك فلا تطردنا، و نحن انتسبنا لجنابك فلا تحرمنا يا أرحم الراحمين. ثم من فرح بالباقي و أعرض عن الفاني تشرق عليه الأنوار، و تلوح له الأسرار، كما أبان ذلك بقوله:
٢٧٢- قد أشرق نوره و ظهرت تباشيره.
قلت: قد أشرق نوره بحلاوة الزهد في الدنيا و الإقبال على المولى، لأن حب الدنيا ظلمة، فإذا خرج من القلب دخله النور، و هو حلاوة الزهد، و راحة القناعة، و برد الرضا، و نسيم التسليم، و ظهرت تباشيره: أي مبشرات تبشره بالإقبال، و روح الوصال، و جنة المعارف و الجمال، و أنشدوا:
|
إذا هبت علينا من حماكم |
نسيمات تذكّرنا الوصالا |
|
|
مبشرة بإقبال و سعد |
و عزّ دائم دهرا طويلا |
|
|
مبلغة شذا تلك المعاني |
مذكّرة رباها و الطلولا |
|
|
فذلك خير وقت بالمعنّى |
و أحسن ما تعاطى السلسبيلا |
|
فحين أشرق نوره و ظهرت تباشيره أعرض عن الدنيا بالكلية، كما أبان ذلك بقوله:
٢٧٣- فصدف عن هذه الدار مغضيا، و أعرض عنها مولّيا.
قلت: الصدوف هو الإعراض و التولي: أي فأعرض هذا السائر إلى اللّه عن الدنيا بحذافيرها مغضيا بصره: أي مغمضا عيني بصيرته عن النظر إلى زهرة هذه الدار و بهجتها ممتثلا في ذلك قول المولى لرسوله المصطفى: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [طه: ١٣١] أي: أصنافا من الكفار. زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه: ١٣١]، و أعرض عن هذا قلبا و قالبا، موليا ظهره عنها، مقبلا بوجهه إلى المولى. قال الشطيبي: و اعلم أن الإعراض عن الدنيا إنما هو بالقلب، و متى كان القلب معلقا بها لم ينفع زوالها من اليد و لا قطع أسبابها، بل المطلوب زوالها من القلب سواء كانت في اليد أو لم تكن، قال تعالى لمن أعطاه ملك الأرض بحذافيرها سليمان ٧: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ