ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٠٩ - ٢٧٣ - فصدف عن هذه الدار مغضيا، و أعرض عنها موليا
بِغَيْرِ حِسابٍ، و قال فيه أيضا: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠]، و قال تعالى لمن نزعها منه بحذافيرها سيدنا أيوب ٧: وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً [ص: ٤٣]، ثم قال: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٤٤]. لكن من علامة حب الآخرة ترك الدنيا، و علامة تركها ألا يفرح بالموجود منها و لا يتأسف على ما فاته منها، و لا يمكن ذلك إلا بترك الانتصار للنفس و مخالفتها، و أنشدوا:
|
يا نفس في التقريب كل مذلة |
فتجرعي ذلّ الهوى بهوان |
|
|
و إذا حللت بدار قوم دارهم |
فلهم عليك تعزز الأوطان |
|
و سئل الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلاني رضي اللّه تعالى عنه عن الدنيا؟ فقال: أخرجها من قلبك و اجعلها في يدك، فإنها لا تضرك. و قال الحضرمي رضي اللّه تعالى عنه: ليس الرجل الذي يعرف كيفية تفريق الدنيا فيفرقها، إنما الرجل الذي يعرف كيفية إمساكها فيمسكها. قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: لأنها كالحية، و ليس الشأن في قتل الحية، إنما الشأن في إمساكها حية انتهى. و قد يقصد بترك الدنيا ما هو أعظم من الدنيا كحب الجاه و الرياسة و غير ذلك من الحظوظ، و لذلك قيل: من أراد أن يكون منه شيء فلا يأتي منه شيء، لأنه عبد لإرادته و عامل لحظ نفسه، فإذا انقطعت عنه الحظوظ النفسية و الشهوات الدنيوية صح قصده إلى اللّه، و انفرد قلبه بالتوجه لمولاه.
قلت: و لأبي الأنوار التطواني قصيدة في هذا المعنى قال في بعضها:
|
و من كان قصده في نيل ما |
يريد فما قام بالحجة |
|
|
و اصل طريقنا و ارفض العلل |
مع الصبر و ارفع للهمة |
|
|
و حسب المحب مشاهدة |
يقينا لم يبدو من حضرة |
|
|
و فهمك عنه جدير بأن |
يعوضك المنع بالمنحة |
|
و أبو الأنوار هذا تلميذ أبي المحاسن سيدي يوسف الفاسي، و قبره بتطوان بالمصلى القديمة لناحية القصبة، نفعنا اللّه بذكره.
ثم إن من أعرض عن الدنيا لا وطن له فيها، و إنما وطنه عند مولاه، كما بين ذلك بقوله: