ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٢٤ - ١٤١ - الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته
فمن أثبتها لنفسها فقد جهله فيها و حجب بها عن شهود موجدها، و من أثبتها باللّه فقد عرف فيها و شهد فيها مولاها، فالثبوت للأكوان أمر عرضي، و الحق اللازم هو وجود أحدية الحق تعالى، و الأحدية مبالغة في الوحدة و لا تتحقق إلا إذا كانت الوحدة بحيث لا يتمكن أن يكون أشد و أكمل منها، فمن مقتضى حقيقتها محو الأكوان و بطلانها بحيث لا توجد، إذ لو وجدت لم تكن أحدية، و لكان في ذلك متعددا و إثنينيّة كما قيل:
|
أرب و عبد و نفي ضد |
قلت له ليس ذاك عندي |
|
|
فقال ما عندكم فقلنا |
وجود فقد و فقد وجد |
|
|
توحيد حقّ بترك حقّ |
و ليس حقّ سواي وحدي |
|
و معنى كلام الشاعر: الإنكار على من أثبت الفرق، بأن جعل للعبودية محلا مستقلا منفصلا عن أسرار معاني الربوبية قائما بنفسه، و لا شك أن العبودية تضاد أوصاف الربوبية على هذا الفرق، و أنت تقول في توحيد الحق: لا ضد له، فقد نقضت كلامك، و لذلك قال: و نفي ضد، فالواو بمعنى مع، و هو داخل في الإنكار، أي أيوجد رب و عبد مستقل مع نفي الضد للربوبية، و العبودية تضاد أوصاف الربوبية؟ و الحق أن الحق تعالى تجلى بمظاهر الجمع في قوالب الفرق و ظهر بعظمة الربوبية في إظهار قوالب العبودية، فلا شيء معه. و قوله في الجواب: وجود فقد: أي عندنا وجود فقد السوى و فقد وجود النفس. و قوله: توحيد حق بترك حق: أي توحيد حق الحق بترك حق الغير و لا غير، و لذلك قال: و ليس حقّ موجود سوى وجودي وحدي، تكلم على لسان الفناء، و اللّه تعالى أعلم. و قال آخر:
|
سر سري من جناب القدس أفناني |
لكن بذاك الفنا عني قد أحياني |
|
|
و ردّني للبقا حتى أعبر عن |
جمال حضرته لكل هيمان |
|
|
و صرت في ملكوت من عجائبه |
لم ألف غير وجود ماله ثاني |
|
و أنشد المؤلف لنفسه في «لطائف المنن» يوصي رجلا من إخوانه اسمه حسن:
|
حسن بأن تدع الوجود بأسره |
حسن فلا يشغلك عنه شاغل |
|
|
و لئن فهمت لتعلمنّ بأنه |
لا ترك إلا للذي هو حاصل |
|