ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٦٩ - ٣٥٦ - إلهي حكمك النافذ و مشيئتك القاهرة، لم يتركا لذي حال حالا و لا لذي مقال مقالا
و وجد رجل نائم في موضع مخوف كثير السباع و الآفات و دابته حوله ترعي، فقيل له: إنك في موضع مخوف، فقال: إنا نستحي أن نخاف غير اللّه، ثم رجع لنومه. و في الحكمة: من استحيي من اللّه و هو مطيع استحيي اللّه منه و هو مذنب. و سئل الجنيد عن الحياء ما هو؟ فقال: شيء يتولد بين رؤية النعماء و رؤية التقصير، و قال الفضيل: علامة الشقاوة خمسة: قلة الحياء، و قسوة القلب، و جمود العين، و الرغبة في الدنيا، و طول الأمل، انتهى. ثم على تقدير سلامة محاسنه من المساوىء، و تصفية حقائقه من الدعاوي، فأمر المشيئة مبهم، و السابقة و الخاتمة غير معلوم أمرهما، فلا يدري ما يفعل اللّه به كما أبان ذلك، في المناجاة الثالثة عشرة بقوله:
٣٥٦- إلهي حكمك النافذ و مشيئتك القاهرة، لم يتركا لذي حال حالا و لا لذي مقال مقالا.
قلت: لا شك أن حكم الحق نافذ في خلقه لا معقب لحكمه و لا راد لقضائه، يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، و هذا هو الذي حرك قلوب العارفين فلم يطمئنوا بحال، و لم يعتمدوا على عمل و لا مقال، بل صاروا مضطرين إلى اللّه في كل حال، لأنهم قد علموا أن حكم اللّه نافذ كلمح البصر أو هو أقرب، و مشيئته قاهرة لا يصرفها عن إنفاذ مرادها صارف، و لا تردها همة ولي و لا عارف، ففي لحظة واحدة يقرب البعيد، و يبعد القريب، و يرفع الوضيع، و يضع الرفيع، و يعز الذليل، و يذل العزيز، و يغني الفقير، و يفقر الغني، و يبسط المقبوض، و يقبض المبسوط، و يمرض الصحيح، و يصحح المريض، فكيف يصح لعاقل أن يركن إلى حاله و مقامه، أو يعتمد على علمه و أعماله، أو يغتر ببسط لسانه و مقاله، و اللّه تعالى يقول: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: ٢٤]. قال بعضهم: من أين للعبد ثبوت حال أو مقال