ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٨٧ - ١٨٥ - ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بإظهار
و ما تخلص التصوف و لا تهذب إلا على يديه، فقد قرب المدارك و بين المسالك في أحسن عبارة، و أوجز لفظ و إشارة، جزاه اللّه عن المسلمين خيرا، ثم بين رضي اللّه تعالى عنه الكلام الذي لم يؤذن لصاحبه في التعبير عنه، فقال:
١٨٥- ربّما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بإظهار.
قلت: قد يتكلم الإنسان بحكم و حقائق، مع فصاحة و بلاغة و شقاشق، لكنها مكسوفة الأنوار، مطموسة الأسرار، ليس فيها حلاوة، و لا عليها طلاوة، و سبب ذلك عدم الإذن فيها، إذ لو أذن له في التعبير لظهر عليها كسوة التنوير. قال في لطائف المنن: من أجل مواهب اللّه لأوليائه وجود العبارة. قال: و سمعت شيخنا أبا العباس يقول: الولي يكون مشحونا بالمعارف و العلوم، و الحقائق لديه مشهودة[١]، حتى إذا أعطى العبارة كان ذلك كالإذن من اللّه في الكلام. قال و سمعت شيخنا أبا العباس يقول: كلام المأذون له يخرج و عليه كسوة و طلاوة، و كلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار حتى إن الرجلين ليتكلمان بالحقيقة الواحدة فتقبل من أحدهما و ترد على الآخر. انتهى. قلت: و ينبغي لأهل التعبير أن يخاطبوا الناس بقدر ما يفهمون، فليس التعبير لأهل البداية كأهل النهاية و في الحديث: «خاطبوا النّاس بقدر ما يفهمون[٢]». نعم إن ضاق الوقت على التفريق جمع الكل و ذكر في البداية و الوسط و النهاية، و كل واحد يأخذ نصيبه و يشرب من منهله: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة: ٦٠]. و هذه كانت طريقة الجنيد رضي اللّه تعالى عنه، يلقي الحقائق على رؤوس الأشهاد، فقيل له في ذلك؟ فقال:
علمنا محفوظ أن يأخذه غير أهله أو ما هذا معناه، ثم عبارتهم بعد الإذن لا تكون إلا لحكمة بينها الشيخ بقوله:
[١] - بالمطبوع مشهورة و ما اثبتناه هو الصواب.
[٢] - رواه الديلمي في الفردوس( ١/ ٣٩٨)، و ابن حجر في اللسان( ٦/ ٢٧٤)، و العجلوني في كشف الخفاء( ١/ ٢٢٥).