ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٧١ - ١١٥ - إنما يستوحش العباد و الزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء، فلو شهدوه في كل شيء ما استوحشوا من شيء
١١٥- إنّما يستوحش العباد و الزهاد من كلّ شيء لغيبتهم عن اللّه في كلّ شيء، فلو شهدوه في كلّ شيء ما استوحشوا من شيء.
قلت: العباد هم الذين غلب عليهم الفعل، فهم مستغرقون في العبادة الحسية، يقومون الليل و يصومون النهار، شغلهم حلاوة العبادة عن حلاوة شهود المعبود، فحجبوا بعبادتهم عن معبودهم، و الزهاد هم الذين غلب عليهم الترك، فهم يفرون من الدنيا و أهلها، ذاقوا حلاوة الزهد فوقفوا معه و حجبوا عن اللّه، فهم يستوحشون من الأشياء لغيبتهم عن اللّه فيها، و لو عرفوا اللّه في كل شيء ما استوحشوا من شيء و لأنسوا بكل شيء، و تأدبوا مع كل شيء، و العارفون لنفوذ بصيرتهم شهدوا الخلق مظاهر من مظاهر الحق فحجبوا أولا بالحق عن الخلق، و بالمعنى عن الحس، و بالقدرة عن الحكمة، ثم ردوا إلى شهود الحق في الخلق و القدرة في الحكمة، فحين عرفوه في كل شيء أنسوا بكل شيء، و تأدبوا مع كل شيء، و عظموا كل شيء، و في هذا المقام قال المجذوب رضي اللّه تعالى عنه:
|
الخلق نوار و أنا رعيت فيهم |
هم الحجب الأكبر و المدخل فيهم |
|
و قال سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه على قول الشيخ أبي الحسن الشاذلي في شأن الخلق: «أراهم كالهباء في الهواء، إن فتشتهم لم تجدهم شيئا» قال: بل إن فتشتهم وجدتهم شيئا، و ذلك الشيء ليس كمثله شيء، يعني وجدتهم مظاهر من مظاهر الحق أنوارا من أنوار الملكوت، فائضة من بحر الجبروت، كما قال صاحب العينية رضي اللّه تعالى عنه:
|
تجليت في الأشياء حين خلقتها |
فها هي ميطت عنك فيها البراقع |
|
|
قطعت الورى من ذات نفسك قطعة |
و لم يك موصول و لا فصل قاطع |
|