ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٩٩ - ١٣٠ - لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك، و محو دعاويك لم تصل إليه أبدا، و لكن إذا أراد أن يوصلك إليه ستر وصفك بوصفه و غطى نعتك بنعته، فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك إليه
|
أدب العبيد تذلّل |
و العبد لا يدع الأدب |
|
|
فإذا تكامل ذلّه |
نال المودّة و اقترب |
|
و قال آخر
|
و ما رمت الدخول عليه حتّى |
حللت محلّة العبد الذليل |
|
|
و أغضيت الجفون على قذاها |
و صنت النفس عن قال و قيل |
|
إذا أردت ورود المواهب عليك و هي العلوم اللدنية و الأسرار الربانية فلا شيء أسرع لك بها مثل الذلة و الافتقار بين يدي الحليم الغفار، يكون ذلك قلبا و قالبا، فينبغي لك حينئذ أن تستعد لكتب المواهب، و نيل المراتب، قال تعالى:
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ [التوبة: ٦٠]، و قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [النمل: ٦٢]، و قال أيضا: وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران: ١٢٣]، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إنّ النصر مع الصبر، و إنّ الفرج مع الكرب، و إن مع العسر يسرا[١]». و قال سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه: ما أظهر عبد فاقة إلى اللّه في شيء إلا قال اللّه تعالى للملائكة «لو لا أنّه لا يحتمل كلامي لأجبته: لبيك لبيك» انتهى. فإذا طلبت الدخول مع الأحباب فقف ذليلا حقيرا بالباب، حتى يرفع بينك و بينهم الحجاب، من دون حيلة منك و لا أسباب، و إنما هو فضل من الكريم الوهاب كما أشار إلى ذلك بقوله:
١٣٠- لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك، و محو دعاويك لم تصل إليه أبدا، و لكن إذا أراد أن يوصلك إليه ستر وصفك بوصفه و غطّى نعتك بنعته، فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك إليه.
قلت: الوصول إلى اللّه هو العلم به و بإحاطته بحيث يفني من لم يكن، و يبقي من لم يزل، و هذا لا يكون إلا بعد موت النفوس، و حط الرؤوس، و بذل
[١] - تقدم تخريجه.