ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٨٠ - ٦٦ - من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الأمداد، و أوجب البعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، و لو لم يكن إلا منع المزيد و قد تقام مقام البعد و أنت لا تدري، و لو لم يكن إلا أن يخليك و ما تريد
تعالى أعلم. و ثانيها: نصيحتهم بتعليم جاهلهم و إرشاد ضالهم، و تقوية ضعيفهم و لو بالسفر إليه، فإن فيهم أهل بدايات و نهايات و القوي و الضعيف، فكل واحد يذكره بما يليق بمقامه، خاطبوا الناس بقدر ما يفهمون، كما في الحديث. و ثالثها:
التواضع لهم، و الاستنصاف من نفسك معهم، و خدمتهم بقدر الإمكان، فخديم القوم سيدهم، فمن عرض له شغل لا ينفك عنه، فالواجب إعانته ليتفرغ منه إلى ذكر اللّه إن كان خفيفا، قال تعالى: وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى [المائدة: ٢]، فكل ما يشغل قلب الفقير فدفعه جهاد وبر. و رابعها: شهود الصفا فيهم و اعتقاد كمالهم فلا ينقّص أحدا، و لو رأى منه ما يوجب النقص في الظاهر، فالمؤمن يلتمس المعاذير، فليلتمس له سبعين عذرا، فإن لم يزل عنه موجب نقصه فليشهده في نفسه، ف «المؤمن مرآة أخيه[١]»، ما كان في الناظر يظهر فيه، فأهل الصفا لا يشهدون إلا الصفا، و أهل التخليط لا يشهدون إلا التخليط. و أهل الكمال لا يشهدون إلا الكمال، و أهل النقص لا يشهدون إلا النقص، و تقدم في الحديث عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم:
«خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حسن الظّن باللّه، و حسن الظّنّ بعباد اللّه. و خصلتان ليس فوقهما شيء من الشرّ: سوء الظنّ باللّه و سوء الظنّ بعباد اللّه»، و باللّه التوفيق. فهذه من جملة الآداب التي يجب على الفقير مراعاتها، و التحفظ عليها سواء كان طالبا أو سائرا أو واصلا، و قد تقدمت في أول الباب الأول ثمانية آداب بعضها في حق العارف، و بعضها في حق السائر، فليراجعها و ليعمل بمقتضاها، فإن الطريق كلها آداب حتى قال بعضهم: اجعل عملك ملحا و أدبك دقيقا. و قال أبو حفص رضي اللّه تعالى عنه: التصوف كله آداب لكل وقت آداب، و لكل حال آداب، و لكل مقام آداب، فمن لزم الأدب بلغ مبلغ
[١] - رواه البخاري في الأدب المفرد( ص ٩٣)، و الضياء في المختارة( ٦/ ١٨٠)، و البيهقي( ٨/ ١٦٧).