ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٦٠ - ١١١ - ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه
١١٠- متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره، و في الباطن مستسلما لقهره فقد أعظم المنّة عليك.
قلت: إنما كان من أعظم المنة، لأنه شاهد المعرفة التي هي منتهى الهمم، و أقصى غاية النعم.
فامتثال الأمر في الظاهر يدل على كمال الشريعة و تحقيق العبودية، و الاستسلام للقهر في الباطن يدل على كمال الطريقة و نهاية الحقيقة، و الجمع بينهما هو غاية الكمال؛ إذ منتهي الكمالات الشرائع، فمتى جعلك أيها الإنسان في الظاهر ممتثلا لأمره و مجتنبا لنهيه، و في الباطن مستسلما لقهره، فقد أعظم المنة عليك حيث أراح ظاهرك من عنت المخالفة و أراح باطنك من تعب المنازعة، أو تقول:
حيث زين ظاهرك بالطاعة، و زين باطنك بالمعرفة، فالواجب عليك أن تشكر هذه النعمة، و تعرف قدرها حتى تعظم محبة اللّه في قلبك، و ذلك أقصى مرادك و قصدك: وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢١]، و متى أثبت لك هذا الأمر فقد خلصك من نفسك و حررك من رق حظك، فلا تبال معها ما فاتك من تخصيص الكرامات الحسية، لأنها أمور وهمية، كما أشار إلى ذلك بقوله:
١١١- ليس كلّ من ثبت تخصيصه كمل تخليصه.
قلت: المراد هنا بالتخصيص تخصيصه بالكرامات الحسية، و المراد بالتخليص تخليصه من رق الحظوظ و من بقية السوى، فليس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات الحسية كمل تخليصه من حظوظه النفسية، ليس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات كمل تخليصه من العوائد و الشهوات، بل قد يعطى الكرامة الحسية بعض من لم يتخلص من حظوظه النفسية. و حكمة ظهورها عليه ثلاثة أمور: أحدها: إنهاضه في العمل لحصول فترة أو وقعة. الثاني: اختبار له، هل يقف معها فيحجب، أو يأنف عنها فيقرب. الثالث: زيادة في يقينه أو يقين الغير