ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٩٠ - ٣٦٩ - و طهرني من شكي و شركي قبل حلول رمسي
فقوله أغننى بتدبيرك: أي بشهود تدبيرك، و شهود تدبيره لا يكون إلا بعد معرفته كما تقدم و طلب أيضا الوقوف على مراكز الاضطرار، و هو التعزز في مقام العبودية في الظاهر على الدوام، لأن العارف لا يزول اضطراره، و لا يكون مع غير اللّه قراره باطنا، و قد تقدم هذا، و مركز الشئ: محل استقراره الذي يركز فيه، و هي هنا استعارة عن تحقق العبودية، و هي أن يعرف قدره، و لا يتعدى طوره، فمن تخلص من ظلمة التدبير و الاختيار، و وقف على مراكز الاضطرار، فقد تحرر من ذل نفسه، و تطهر من شرك تخمينه و حدسه، كما أبان ذلك في المناجاة الخامسة و العشرين بقوله:
٣٦٨- إلهي أخرجني من ذل نفسي.
و هو ذلها لغير اللّه بالطمع و الحرص اللذين هما بذرة شجرة الذل.
٣٦٩- و طهرني من شكي و شركي قبل حلول رمسي.
قلت: لعل المراد بالشك هنا خطور خصيم الفرق و هو الخصيم الظلماني، أو يريد بالشك خواطر الرزق التي لا تثبت. و قال الشيخ ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه:
الشك: ضيق الصدر عند احساس النفس بأمر مكروه يصيبها، فإذا ضاق صدره بسبب ذلك أظلم قلبه و أصابه من أجله الهم و الحزن: و طهارته منه إنما تكون بوجود ضده و هو اليقين، فبه يتسع الصدر و ينشرح، و يزول عنه الحرج و الضيق، و بقدر احتظاء القلب من نور اليقين يكون انشراح الصدر و اتساعه و عند ذلك يجد القلب الروح و الفرح باللّه تعالى و بفضله. و في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إنّ اللّه بقسطه و عدله جعل الرّوح و الفرح بالرّضا و اليقين، و جعل الهمّ و الحزن في السّخط و الشّكّ[١]» انتهى.
[١] - رواه الديلمي في الفردوس( ١/ ٢١٠).