ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٢٤ - ٣٠٤ - و أكمل منه عبد شرب فازداد صحوا، و غاب فازداد حضورا، فلا جمعه يحجبه عن فرقه، و لا فرقه يحجبه عن جمعه، و لا فناؤه يصده عن بقائه، و لا بقاؤه يصده عن فنائه، يعطي كل ذي قسط قسطه، و يوفي كل ذي حق حقه
الفناء، و إن كان قبل الفناء، فهو شهود خلق بلا حق و هو محل أهل الحجاب [و] غلب عليه أيضا:
٣٠٣- غيبته على حضوره.
الغيبة: انقطاع القلب عن ملاحظة الخلق، و الحضور: مشاهدة حضرة المولى بعد الغيبة عن شهود الحس و السوى، فهذه أحوال أهل الجذب من السالكين، فإن كان لهم شيخ فلا بد أن يخرجهم إلى السلوك و هو مقام البقاء، فإن البقاء يطلب الجذب حتى يدركه كما يدركه عمره الطالب له. فكان بعض أشياخنا يقول:
أرنا من يفرق لنا نحن ضامنون له الخروج إلى البر، و هو البقاء الذي أشار إليه الشيخ بقوله:
٣٠٤- و أكمل منه عبد شرب فازداد صحوا، و غاب فازداد حضورا، فلا جمعه يحجبه عن فرقه، و لا فرقه يحجبه عن جمعه، و لا فناؤه يصدّه عن بقائه، و لا بقاؤه يصده عن فنائه، يعطي كلّ ذي قسط قسطه، و يوفّي كلّ ذي حقّ حقّه.
قلت: هذا هو القسم الثالث، و هو مقام خاصة الخاصة، و هم أهل الرسوخ و التمكن، فكلما شربوا من خمر الحقيقة زاد صحوهم و تجوهر عقلهم، و كلما غابوا عن شهود الخلق بشهود الحق زاد حضورهم، فتراهم مستغرقين في الفكرة و النظرة و مع ذلك يحسون بدبيب النملة حتى يظن من لم يبلغ مقامهم أنهم من أهل الغفلة، لكثرة ما بهم من الفطنة و هم مستغرقون في الحضرة، و قد كان ٧ يصلي بالناس، فإذا سمع بكاء الصبي خفف شفقة على أمه، فأهل هذا المقام الكامل لا يحجبهم جمعهم عن فرقهم فهم مجموعون في فرقهم مفروقون في جمعهم يشهدون الحق في حال شهوده من الخلق، و لا يصدهم فناؤهم عن بقائهم، فهم فانون عن أنفسهم باقون بربهم، و لا بقاؤهم يصدهم عن فنائهم، فظاهرهم