ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٣٢ - ٤٤ - ربما كنت مسيئا، فأراك الإحسان منك صحبتك إلى من هو أسوأ حالا منك
في صحبة الإخوة، و أما صحبة الشيخوخة فكل ما أمر به الشيخ أو أشار إليه أو فهمت أنه يحب ذلك، فلابد أن تبادر إليه بقدر الإمكان، و لو كان محالا عادة لأخذت في التهيؤ للفعل. قال شيخ شيوخنا سيدي العربي بن أحمد بن عبد اللّه:
الفقير الصديق هو الذي إذا قال له شيخه ادخل في عين المخياط لا يتردد و يقوم يبادر في امتثال ما أمر، و لو كان لا يتأتى منه ذلك. و قال أيضا: صاحبي هو الذي نفتله بشعره انتهى. و قال سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه في كتابه: اعلم أنه لا يقرب طالب اللّه إلى اللّه شيء مثل جلوسه مع عارف باللّه إن وجده، و إن لم يجده فعليه بذكر اللّه ليلا و نهارا قائما و قاعدا مع العزلة عن أبناء الدنيا، بعدم الجلوس معهم و عدم الكلام كذلك، و عدم النظر فيهم لأنهم سمّ خارق، و لا يبعد من اللّه شيء مثل جلوسه مع فقير جاهل، و الفقير الجاهل أقبح من العامي الغافل بألف ضعف، و الجلوس مع العارف باللّه أفضل من العزلة، و العزلة أفضل من الجلوس مع العوام الغافلين، و الجلوس مع العامي الغافل أفضل من الجلوس مع الفقير الجاهل، لا شيء في الوجود يسوّد قلب المريد مثل جلسة مع الفقير الجاهل، كما أن العارف باللّه يجمع بين العبد و مولاه بنظرة أو بكلمة، كذلك الفقير الجاهل باللّه ربما أتلف المريد عن مولاه بنظرة أو بكلمة فما فوقها، يرحم اللّه المجذوب حيث يقول في بعض كلامه: الجلسة مع غير الأخيار، ترذل و لو تكون صافيا انتهى. و قال سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه: احذر صحبة ثلاث من أصناف الناس: الجبابرة الغافلين، و القراء المداهنين، و المتصوفة الجاهلين انتهى. و زاد الشيخ زروق: علماء الظاهر قال: لأن نفوسهم غالبة عليهم انتهى.
قلت: الجلوس معهم اليوم أقبح من سبعين عاميّا غافلا، و فقيرا جاهلا لأنهم لا يعرفون إلا ظاهر الشريعة، و يرون أن من خالفهم في هذا الظاهر خاطئ أو ضال، فيجهدون في رد من خالفهم يعتقدون أنهم ينصحون و هم يغشون، فليحذر المريد من صحبتهم و القرب منهم ما استطاع، فإن توقف في مسألة و لم