ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٣١ - ٢١٥ - الحقائق ترد في حال التجلي مجملة، و بعد الوعي يكون البيان فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه القيامة ١٨
سبحان من بعّد قوما في حال قربهم، و قرّب قوما من غير بعدهم، و راجع ما تقدم لنا في الشرح عند قوله: شعاع البصيرة تفهم المسألة على أصلها، و حق هذه الحكمة أن تتقدم على التي قبلها، لأن القرب سابق على الوصول، و لما ترتب على ذكر الوصول من ذكر الواردات و الأمر قريب، و اللّه تعالى أعلم. و قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه في شرح هذه الحكمة: القرب في الجملة على ثلاثة أوجه: أحدها: قرب الكرامة، و هو تقريب الحق عبده، حتى يكون مشاهدا لقربه منه، فيتولاه دون ما سواه. الثاني: قرب الإحاطة إحاطة العلم و القدرة و الإرادة، و عموم التصرف، و هذا قرب الحق من عبده. الثالث: قرب المناسبة و المسافة، و لا يصح في جناب الربوبية، لاستحالة المسافة عليه و نفى مناسبة العبد للرب؛ فتقدير الكلام قربك منه على وجه الكرامة أن تكون مشاهدا لقربه منك على وجه الإحاطة، و إلا فمن أين أنت و وجود قربه على وجه التناسب و المسافة انتهى. و إنما نقلته لعلمي أن الكتاب يطالعه من يحسن العوم و من لا يحسنه، فإذا خاف من البحر وجد جزيرة يأوي إليها، و باللّه التوفيق. و من حصل على مقام القرب و الوصول ترد عليه الحقائق العرفانية، و الأسرار الربانية، و العلوم اللدنية، تارة ترد مجملة ثم يقع التفصيل، و تارة مفصلة و هو غالب واردات أهل التمكين، و الغالب أن هذه الواردات إنما ترد بعد الفتح و الوصول، و لذلك قلنا: الأحسن لو قدّم الشيخ مقام القرب ثم يذكر مقام الوصول ليتصل بهذه الحكمة التي تكلم فيها على الواردات حيث قال:
٢١٥- الحقائق ترد في حال التّجلّي مجملة، و بعد الوعي يكون البيان: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ القيامة: ١٨.
قلت: الحقائق هي ما يرد على قلب العارف من تجليات العلوم و الحكم و المعارف، فتارة تكون علوما، و تارة تكون حكما و معارف، و تارة تكون كشفا بغيب كان أو سيكون. و حكمة ذلك أن الروح إذا تخلصت و تصفت من غبش الحس كان غالب ما يتجلى فيها حقّا، ثم إن هذه الحقائق قد ترد في حال التجلي مجملة فيقيدها الإنسان كما تجلب ثم يتفكر فيها فيتبين معناها، فبعد الوعي و هو الحفظ يكون البيان، ثم استدل بآية الوحي لأن الوحي على أربعة أقسام: وحي إلهام، و وحي منام، و وحي إعلام، و وحي أحكام، فشاركت الأولياء الأنبياء في ثلاثة: وحي