ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٤٠ - ٢٢١ - لا تطلبن بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها، و أودعت أسرارها، فلك في الله غنى عن كل شيء، و ليس يغنيك عنه شيء
٢٢٠- لا تزكّينّ واردا لا تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، و إنما المراد منها وجود الأثمار.
قلت: ثمرة الوارد هو هدم العوائد، و اكتساب الفوائد، و التخلية من الرذائل، و التحلية بالفضائل. و إن شئت قلت: ثمرة الوارد الصادق هو ما ينشأ عنه من الذلة و الانكسار، و الخشوع و السكينة، و الوقار و الحلم، و الزهد و السخاء و الإيثار، و التخلص من رق الشهوات الجسمانية، و العوائد النفسانية، و الخروج من سجن الأكوان، و الترقي إلى فضاء الشهود و العيان، و التحرر من يد الأغيار، و التمحض إلى تحقيق المعارف و الأسرار، و كل هذا قد تقدم للمؤلف مفرقا. قال في أول الكتاب: أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا، أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد الأغيار، و ليحررك من رق الآثار، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك، و قال فيما تقدم قريبا: متى وردت الواردات الإلهية إليك هدمت العوائد عليك، و قال أيضا: الوارد يأتي من حضرة قهار لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه. فإذا ورد عليك وارد و لم يترك فيك هذه الخصال فلا تزكه، و اتهم نفسك فيه لئلا يكون شيطانيّا، فإن الوارد الإلهي تعقبه برودة و سكون، و زهد و طمأنينة و فترة، و الوارد الشيطاني تعقبه حرارة و قساوة، و تكبر وصولة و رؤية نفس، فليس المراد من الحال فرحه و خفته و شطحته، إنما المراد منه ثمرته، فهو كسحابة الأمطار، فليس المراد منها وجود الأمطار، و إنما المراد ما ينشأ عنها من وجود الأثمار، فلا تطلب بقاء الحال فقد يكون بقاؤه ضررا لك، فإن دوام الأمطار يعود نفعها ضررا، و إلى ذلك أشار بقوله:
٢٢١- لا تطلبنّ بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها، و أودعت أسرارها، فلك في اللّه غنى عن كل شيء، و ليس يغنيك عنه شيء.
قلت: طلب الشئ يدل على محبته، و محبة الشئ عبودية له، و الحق تعالى لا يحب أن تكون عبدا لغيره، فلا تطلب معه حالا و لا مقاما، فإن وردت عليك الأحوال و هي الواردات الإلهية ثم انقشعت و انصرفت فلا تطلب بقاءها بعد أن بسطت في قلبك أنوارها، فأخرجت منه ظلمة