ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٦٤ - ٣٥٣ - إلهي قد علمت باختلاف الآثار و تنقلات الأطوار أن مرادك مني أن تتعرف إلى في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء
الجلال كما يعرفه في الجمال، إلى غير ذلك مما تقدم، و يتلون مع كل لون و يتطور مع كل طور، فالعارف هو الذي يتطور بجميع الأطوار ليقضي جميع الأطوار، و التلون مع الأشياء هو الأدب معها، و الخضوع مع الحق فيها. و أما من كان يعرف في الجمال دون الجلال، و في العطاء دون المنع، و في العز دون الذل، و في الصحة دون المرض، أو في العافية دون المحنة، أو في الغني دون الفاقة، أو في الرخاء دون الشدة، فإنه كذاب. و انظر إلي قول القائل: (حبيبي و محبوبي على كل حالة). و ما أقبح الإنسان يدعي الخصوصية و المعرفة و نفي السوى، فإذا تعرف له الحق تعالى باسمه الجليل أنكره و هرب منه، و هذه عادة اللّه تعالى في عباده كل من ادعي خصوصية أو قوة اختبره في الحين: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً [الأحزاب: ٨]، فيفتضح المدعون، و يثبت الصادقون، و قد ذاق الشيخ رضي للّه عنه هذا المعنى بعد أن كان يعرف في البعض و ينكر في البعض، فلما تحقق علم أن اختلاف الآثار و تنقلات الأطوار، إنما سرها ليعرف الحق بها فقال: إلهي قد علمت أي: تيقنت باختلاف الآثار إي: آثار القدرة و تنقلات الأطوار أي: الأعراض و الأحوال أن مرادك منى أن تتعرف إلى في كل شيء من اختلافات أجناس القدرة و تنقلات أطوارها، حتى لا أجهلك في شيء منها. قال في التنوير: كل حالة زائلة لا محالة، لأن مراد الحق أن ينقل عبده في الأطوار و يخالف عليه الآثار، حتى يتعرف إليه في كل حالة خاصة بتعرف خاص، و من أراد حالة واحدة لم يرد الكمال، انتهى. فاللّه تعالى إنما أراد من عباده معرفته، قال تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذريات: ٥٦] قال ابن عباس: أي ليعرفون، و معرفته إنما تكون بتخالف الآثار، و تنقلات الأطوار. و ذكر غيره في تفسير قوله تعالى: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [الرحمن: ٤٦] أن إحدى الجنتين معرفة اللّه و هي جنة المعارف، و الأخرى جنة الزخارف، و من دخل المعارف لم يشتق إلى شيء سواها. و قال مالك بن دينار: