ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٤٨ - ١٥٨ - من اطلع على أسرار العباد و لم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه، و سببا لجر الوبال إليه
يأتي، و قد يكون ذلك لمن لا استقامة له أصلا كالكهان و السحرة و غيرهم. و الغالب أن أهل شهود الملكوت يحجبون عن مكاشفة أسرار العباد، لاشتغالهم بما هو أعظم و أحظى عند اللّه، و إنما تكون هذه المكاشفات عند العباد و الزهاد و أهل الرياضيات و المجاهدات، و لا تنكر أن تكون عند العارفين، فقد تجتمع لهم المكاشفة و الكشف: أي مكاشفة أسرار العباد، و كشف الحجاب عن الفؤاد، إلا أن الغالب هو استغراق الروح في شهود نور الملكوت، دون الاستشراف إلى أسرار العباد، التي هي من عالم الملك. و قد كان الشيخ أبو يعزى رضي اللّه تعالى عنه يطّلع على سرائر الناس و يفضحهم، فكتب إليه شيخه أبو شعيب أيوب المعروف بالسارية من أزمور يحذره من ذلك و ينهاه عن هتك أستار المسلمين، فكتب له الشيخ أبو يعزى رضي اللّه تعالى عنه يجيبه: ليس هذا من قدرة البشر أن يسع أحد معرفة أسرار العباد و إخراج عيوبهم من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، و إنما هو شيء يلقى إليّ، و يقال لي: قل و اسمع الخطاب أنت آية من آيات اللّه، و المراد منك أن يتوب الخلق على يديك فتأخذني غلبة، و تستولى علي ملكة لا أقدر معها عن الكف عن القول انتهى. و كان الشيخ أبو عبد اللّه التاودي يقول: ما قطعه الشيخ أبو يعزى في ستة عشر سنة قطعته أنا في أربعين يوما، و لم يشم لطريقتنا هذه غبارا، و اللّه تعالى أعلم. و كلهم أولياء اللّه نفعنا اللّه بذكرهم، و ليس قصدنا تنقيص أحد منهم، و إنما مرادنا أن طريق المكاشفة ليس هي النهاية، بل قال بعضهم: هي البداية، و باللّه التوفيق. و قد تكون و بالا في حق المريد كما أبان ذلك بقوله:
١٥٨- من اطّلع على أسرار العباد و لم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطّلاعه فتنة عليه، و سببا لجرّ الوبال إليه.
قلت: الاطلاع على أسرار العباد قبل التمكن في الشهود، و التخلق بأخلاق الملك المعبود فتنة عظيمة و بلية و مصيبة، و ذلك لأنه قبل التمكين في المعرفة قد يشتغل بذلك قلبه، و يتشوش خاطره و لبه، فيفتره عن الشهود، و يفتنه عن الرسوخ في معرفة الملك الودود، و أيضا ما دامت النفس حية و لم يقع الفناء عنها قد يعتقد بذلك المزية على الناس فيدخله الكبر و العجب و هما