ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٤٢ - ٤٨ - من علامات موت القلب عدم الحزن على مافاتك من الموافقات، و ترك الندم على ما فعلت من وجود الزلات
الباب السادس
و لما كان الذكر هو سبب حياة القلب و تركه سبب موته، و في الحديث:
«مثل الذي يذكر ربّه و الذي لا يذكر ربّه كمثل الحيّ و الميّت[١]»، ذكر علامة حياته و موته في أول الباب السادس فقال رضي اللّه تعالى عنه:
٤٨- من علامات موت القلب عدم الحزن على مافاتك من الموافقات، و ترك النّدم على ما فعلت من وجود الزّلات.
قلت: موت القلب سببه ثلاثة أشياء: حب الدنيا، و الغفلة عن ذكر اللّه، و إرسال الجوارح في معاصي اللّه. و سبب حياته ثلاثة أشياء: الزهد في الدنيا، و الاشتغال بذكر اللّه، و صحبة أولياء اللّه. و علامة موته ثلاثة أشياء: عدم الحزن على ما فات من الطاعات، و ترك الندم على ما فعلت من الزلات، و صحبتك للغافلين الأموات، و ذلك لأن صدور الطاعة من العبد عنوان السعادة، و صدور المعصية علامة الشقاوة، فإن كان القلب حيّا بالمعرفة، و الإيمان آلمه ما يوجب شقاوته، و أفرحه ما يوجب سعادته. أو تقول: صدور الطاعة من العبد علامة على رضا مولاه، و صدور المعصية علامة على غضبه، فالقلب الحي يحس بما يرضيه عند مولاه فيفرح، و ما يسخطه عليه فيحزن، و القلب الميت لا يحس بشيء قد استوى عنده وجود الطاعة و المعصية، لا يفرح بطاعة و موافقة و لا يحزن على زلة و لا معصية كما هو شأن الميت في الحس و في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «من سرّته حسناته و ساءته سيئاته فهو مؤمن[٢]».
و قال عبد اللّه بن مسعود: المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، و الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال: به هكذا فأطاره انتهى.
[١] - رواه البخاري( ٥/ ٢٣٥٣)، و مسلم( ١/ ٥٣٩).
[٢] - رواه الترمذي( ٤/ ٤٦٥)، و النسائي في الكبرى( ٥/ ٣٨٨).