ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٤٤ - ٤٩ - لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله
قال تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣]، و تأمل قضية الذي قتل تسعا و تسعين نفسا، ثم سأل راهبا فقال له: هل لي من توبة؟
فقال له: لا توبة لك، فكمل به المائة، ثم أتى عالما فسأله فقال له: من يحول بينك و بينها (أى التوبة) و لكن اذهب إلى قرية كذا ففيها قوم يعبدون اللّه فكن فيهم حتى تموت، فلما توسط الطريق أدركه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، فأوحى اللّه إليهم أن قيسوا القرية التي خرج إليها، و القرية التي خرج منها فإلى أيهما كان أقرب، فهو من أهلها، فأوحى اللّه إلى القرية التي يريد أن تقاربي، و إلى القرية التي خرج منها أن تباعدي، فوجد أقرب إلى القرية التي يريد بشبر، فأخذته ملائكة الرحمة، و الحديث في الصحيحين، نقلته بالمعنى.
و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: العامة إذا خوّفوا خافوا، و إذا رجّوا رجوا، و الخاصة متى خوّفوا رجوا، و متى رجّوا خافوا.
قال في لطائف المنن: و معنى كلام الشيخ هذا: أن العامة واقفون مع ظواهر الأمر، فإذا خوّفوا خافوا، إذ ليس لهم نفوذ إلى ما وراء العبارة بنور الفهم كما لأهل اللّه. و أهل اللّه إذا خوّفوا رجوا، عالمين أن من وراء خوفهم و ما خوفوا به أوصاف المرجو الذي لا ينبغي أن يقنط من رحمته، و لا أن ييأس من منّته، فاحتالوا على أوصاف كرمه علما منهم أنه ما خوفهم إلا ليجمعهم عليه و ليردهم بذلك إليه، و إذا رجوا يخافون غيب مشيئته، الذي هو من وراء رجائهم، و خافوا أن يكون ما ظهر من الرجاء اختبارا لعقولهم، هل تقف مع الرجاء أو تنفذ إلى ما بطن في مشيئته، فلذلك أثار الرجاء خوفهم انتهى.
و دخل الجنيد رضي اللّه تعالى عنه على شيخه السري فوجده مقبوضا فقال له: ما لك أيها الشيخ مقبوضا؟ فقال: دخل علي شاب فقال لي: ما حقيقة التوبة؟ فقلت له: أن لا تنسى ذنبك، فقال الشاب: بل التوبة أن تنسى ذنبك،