ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١١٩ - ٣٦ - شعاع البصيرة يشهدك قربه منك، و عين البصيرة تشهدك عدمك لوجوده، و حق البصيرة يشهدك وجوده، لا عدمك و لا وجودك
الرسوخ و التمكين لأهل المكالمة أو تقول: شعاع البصيرة نور علم اليقين، و عين البصيرة هو نور عين اليقين، و حق البصيرة هو نور حق اليقين، فعلم اليقين لأهل الدليل و البرهان، و عين اليقين لأهل الكشف و البيان، و حق اليقين لأهل الشهود و العيان. مثال ذلك كمن سمع بمكة مثلا و لم يرها، فهذا عنده علم اليقين، فإذا استشرف عليها ورآها و لم يدخلها فهو عين اليقين، فإذا دخلها و تمكن فيها فهو حق اليقين، و كذلك طالب الحق فما دام من وراء الحجاب فانيا في الأعمال، فهو في علم اليقين، فإذا استشرف على الفناء في الذات، و لم يتمكن من الفناء فهو عين اليقين، فإذا رسخ و تمكن فهو في حق اليقين، أو تقول: شعاع البصيرة لأهل عالم الملك، و عين البصيرة لأهل عالم الملكوت، و حق البصيرة لأهل عالم الجبروت، أو تقول: شعاع البصيرة لأهل الفناء في الأعمال، و عين البصيرة لأهل الفناء في الذات، و حق البصيرة لأهل الفناء في الفناء[١].
فشعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، أي يوجب لك شهود قرب نور الحق منك: قال تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦]، و قال تعالى: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: ٤]. و عين البصيرة يشهدك عدمك أي زوالك بزوال وهمك لوجوده أي وجود الحق إذ محال أن تشهده و تشهد معه سواه، فإذا زال عنك الوهم، و فنيت عن وجودك شهدت ربك بربك، و هو علامة فتح البصيرة و علاج السريرة، كما قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب:
|
من رأى المكوّن بالكون |
عزّه في عمى البصيرة |
|
|
و من رأى الكون بالمكوّن |
صادف علاج السّريرة |
|
[١] - و أغلب الصوفية يجعلونها ثلاث مراتب هي بعبارة أخرى توحيد الأفعال و توحيد الصفات و توحيد الذات. و فناء الفناء على هذا من مشتملات مقام الفناء في الذات، فلا يفرد بقسم خاص، و اللّه أعلم.