ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٠٥ - ١٩٧ - من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، و أن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، و كان الله على كل شيء مقتدرا
التي هي فى مظاهر العبودية، فالربوبية بلا عبودية نقص يلزم عليه إبطال حكمته، و العبودية بلا ربوبية محال لا يتصور وجوده:
|
من لا وجود لذاته من ذاته |
فوجوده لولاه عين محال |
|
و لأجل هذا المعنى كان العارفون إذا تحققوا هذا السر، و هو أن العبودية لا وجود لها من ذاتها، و إنما حكمة وجودها صور سر الربوبية بإظهار أحكام العبودية، و عرفوا ذلك حالا و ذوقا، كانت عبادتهم شكرا، و كانوا محمولين غير حاملين عملهم باللّه للّه، فعبادة هؤلاء كثيرة عظيمة في المعنى، و إن كانت قليلة في الحس و لا تقل أبدا، إذ تصرفاتهم كلها عبادة، نومهم عبادة، و أكلهم عبادة، و مشيهم عبادة، و في مثل هؤلاء ورد الحديث: «نوم العالم عبادة[١]». و قال أيضا:
«رجال يدخلون الجنة على الفرش الممهّدة، قيل: من هم يا رسول اللّه؟ قال: الذاكرون اللّه كثيرا[٢]» أو كما قال صلى اللّه عليه و آله و سلم، ذكره المنذري. و قال أبو سليمان: قد يدرك العارف على فراشه ما لا يدركه في صلاته، و لا يستغرب العبد من نفسه بلوغ هذا المقام، فإن فضل اللّه لا ينال بسبب، و قدرة اللّه صالحة لدرك كل مطلب، كما أبان ذلك بقوله:
١٩٧- من استغرب أن ينقذه اللّه من شهوته، و أن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً.
قلت: لا شك أن الحق تعالى لا يعجزه شيء، هو الغالب على أمره، و قلوب عباده بيده يصرفها كيف شاء و يقلبها حيث شاء، فمن كان منهمكا في الغفلة، مستغرقا في بحار الشهوة، فلا يستغرب أن ينقذه اللّه من غفلته، و أن يخرجه من وجود شهوته، فإن ذلك قدح في إيمانه، و كيف يستغرب ذلك و ربنا تعالى يقول: وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
[١] - ذكره الديلمي في الفردوس( ٤/ ٢٤٧)، و العجلوني في كشف الخفا( ٢/ ٤٣١).
قلت: و هو قول أحد التابعين، و لا أصل له كحديث مرفوع.
[٢] - رواه ابن حبان( ٢/ ١٢٤)، و أبو يعلى في مسنده( ٢/ ٣٥٩)، و ذكره الهيثمي في المجمع( ١٠/ ٧٨)، بنحوه، و قال: إسناده حسن.