ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٣٧ - ١٥١ - مطالع الأنوار القلوب و الأسرار
النفس حظها منه، و ما لا حظ فيه للنفس أقرب للسلامة و أعظم للإفادة، فالقبض كالليل، و الليل محل المناجاة و المصافاة، و ملاقاة الأحباب و رفع الحجاب، فربما أفادك في ليل القبض من انخناس النفس، و ذهاب الحس، و موالاة الأنس ما لا تستفيده في نهار البسط من تحصيل العلوم، و تحقيق الفنون، و مجالسة الأخيار، و مخالطة الأبرار، فالقبض له فوائد، و البسط له فوائد، و العبد لا يدري أيهما أقرب له نفعا، فتعين الوقوف مع ما يواجهه من جهة الحق، فيتلقاه بالقبول و الأدب، و قد تقدم آداب كل واحد منهما عند قوله: بسطك كي لا يتركك مع القبض إلخ، فلا تطلب البسط إن واجهك بالقبض، و لا تطلب القبض إن واجهك بالبسط، فقد تستفيد من أحدهما ما لا تستفيده من الآخر، فلا تدري أيهما أنفع و لا أيهما أضر، و لذلك استدل بالآية التي نزلت في ميراث الأب من الابن، فالبسط كالأب لأنه ناشىء من شهود ما منه إليك، و هو فعل الحق الذي صدر منه كل موجود و هو الأصل، و القبض كالابن لأنه ناشئ من شهود ما منك إليه و هو الفرع، إذ الفعل كله من القدرة. و أما الحكمة فإنما هي تغطية، و إذا كان العبد جاهلا بمنفعتهما كجهله بالأنفع من الآباء و الأبناء تعين متابعة الحق باتباع مراده و انتهاجه حاله، من غير تحول و لا انتقال، و لا تشوف إلى غير ما هو فيه من ذلك الحال، بذلك ينتور قلبه، و يتطهر سره و لبه، فتكشف عنه الحجب و الأستار، و يتهيأ لحمل الأنوار و الأسرار، كما أبان ذلك بقوله:
١٥١- مطالع الأنوار القلوب و الأسرار.
قلت: المطالع جمع مطلع، و هو محل طلوع الشمس و غيرها، و الأنوار هنا: الواردات و الكشوفات التي تكشف الحجب و ترفع رداء الصون عن مظاهر الكون، و قد تقدم أن النفس و العقل و القلب و الروح و السر عند كثير من الصوفية شيء واحد، و ما هي إلا الروح تتطور بحسب التصفية و الترقية، فما دامت مشغولة بحظوظها و شهواتها فهي نفس و نورها مكسوف، فإذا انزجرت و عقلت بعقال الشرع إلا أنها تميل إلى المعاصي و الذنوب، فتارة تعصي و تتوب، و تارة تحن و تؤوب، سميت عقلا و نورها قليل، لأنها محبوسة في سجن الأكوان، معقولة بالدليل و البرهان، فإذا سكنت عن المعاصي إلا أنها تنقلب بين الغفلة و اليقظة، و بين الاهتمام بالطاعة