ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٣٩ - ١٥٢ - نور مستودع في القلوب، مدده النور الوارد من خزائن الغيوب
أنوار الإسلام و أنوار الإيمان، ثم تشرق أنوار الإحسان فيتغطى وجود الأكوان. قال في التنوير:
و لو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان، و لأشرق نور الإيقان، فغطى وجود الأكوان انتهى. و اعلم أن وجه اصطلاح الصوفية رضي اللّه عنهم في ترتيب الإسلام أولا، ثم الإيمان، ثم الإحسان: أن العبد ما دام مشغولا بالعبادة الظاهرة الحسية سمي ذلك المقام مقام الإسلام، فإذا انتقل العمل للقلب، و هو اشتغاله بتصفية القلب، بالتخلية و التحلية و تحقيق الإخلاص سمي ذلك مقام الإيمان، فإذا انتقل العمل للروح و للسر، و هو الفكرة و النظرة سمي مقام الإحسان، بخلاف الفقهاء فإنهم يقدمون الإيمان على الإسلام، فيقولون: لا يصح شيء دون الإيمان[١]، و لا مشاحة في الاصطلاح: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة: ٦٠].
قال بعض المحققين: اعلم أن لعالم الملك و هو عالم الشهادة أنوار ظاهرة، و لعالم الملكوت و هو عالم الغيب أنوار باطنة، و أشهر ما في عالم الملك ثلاثة أنوار: نور الشمس، و نور القمر، و نور النجوم، و يقابلها من عالم الملكوت: نور المعرفة، و نور الفهم، و نور العلم، فبطلوع نجم العلم في ليل الجهل تبدو الآخرة و الأمور الغيبية، و بطلوع قمر الفهم في أفق التوحيد يشاهد قرب الحق، و بطلوع شمس المعرفة في أفق التفريد يقوى اليقين و يلوح وجه المشاهدة، و أول نور يلج في الصدر نور الإسلام، فإذا انشرح القلب به انقذف فيه نور الإيمان، فإذا تقوى فيه صار شهودا انتهى المراد منه. قلت: و بهذا النور وسع القلب معرفة الحق، و هو الذي أشار إليه في الحديث القدسي: «لن يسعني أرضي و لا سمائي، و وسعني قلب عبدي المؤمن[٢]»، فانظر هذا القلب الذي وسع الرب سبحانه ما أعظمه و أجله، فتحبب يا أخي إلى أرباب هذه القلوب، التي وسعت علام الغيوب، حتى يوصلوك إلى ما وصلوا إليه من علم الغيوب، و باللّه التوفيق.
ثم ذكر ثمرة النور و هي الكشف عن حقائق الأشياء، فقال:
[١] - و الاختلاف الناشئ هو اختلاف في معنى كلمة الإيمان، فالشارح رضى اللّه عنه يجعلها من مقامات السلوك، أما علماء الشريعة فالإيمان عندهم هو العقيدة في الغالب. و عند من وافق الفقهاء من الصوفية يندرج الإيمان و الإحسان المذكوران في الشرح في مقام الإحسان الذي هو مجمع كل منازل السلوك ما تعلق منها بالقلب أو بالروح و السر.
[٢] - رواه الديلمي في الفردوس( ٣/ ١٧٤)، و ذكره العجلوني في كشف الخفاء( ٢/ ٢٥٥).