ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٩٧ - ٢٣ - لا تترقب فراغ الأغيار فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مقيمك فيه
الأدب هو الاكتفاء بعلم اللّه و التحقق بمعرفة اللّه و الاستغناء به عما سواه، و اللّه تعالى أعلم. ثم ذكر الأدب السادس: و هو التسليم و الرضا بما يجري به القدر و القضاء فقال:
٢٢- ما من نفس تبديه إلا و له قدر فيك يمضيه.
قلت: النفس بفتح الفاء: عبارة عن دقيقة من الزمان قدر ما يخرج النفس و يرجع و هو أوسع من الطرفة، و الطرفة أوسع من اللحظة، و هي رمق البصر ورده، و القدر هو العلم السابق للأشياء قبل أن تظهر و هو اعلم أوقاتها، و أماكنها و مقاديرها و عدد أفرادها و ما يعرض لها من الكيفيات، و ما ينزل بها من الآفات، فإذا علمت أيها الإنسان أن أنفاسك قد عمها القدر و لا يصدر منك و لا من غيرك إلا ما سبق به علمه و جرى به قلمه، لزمك أن ترضى بكل ما يجري به القضاء، فأنفاسك معدودة و طرفاتك و لحظاتك محصورة، فإذا انتهى آخر أنفاسك رحلت إلى آخرتك، و إذا كانت الأنفاس معدودة، فما بالك بالخطوات و الخطرات و غير ذلك من التصرفات. و للّه در القائل:
|
مشيناها خطى كتبت علينا |
و من كتبت عليه خطى مشاها |
|
|
و من قسمت منيّته بأرض |
فليس يموت في أرض سواها |
|
و حقيقة الرضا هو تلقي المهالك بوجه ضاحك، و حقيقة التسليم استواء النقمة و النعيم بحيث لا يختار في أيهما يقيم، و هذا هو مقام أهل الكمال الذين تحققوا بالزوال، نفعنا اللّه بذكرهم و خرطنا في سلكهم أمين. ثم ذكر الأدب السابع، و هو دوام المراقبة و مواصلة المشاهدة فقال:
٢٣- لا تترقب فراغ الأغيار فإنّ ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مقيمك فيه.
الترقب هو الانتظار، و الأغيار جمع غير بكسر الغين، و هو ما يغير القلب