ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٢٢ - ٢٩٧ - قد استولى على مداها
الملك الحق، و يفنى عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب. فإن كان مع مراعاة الحكمة فهو كامل، و إن كان من غير مراعاة الحكمة، فإن كان غائبا مصطلما فهو معذور، و هو الذي بينه بقوله:
٢٩٤- فهذا عبد مواجه بالحقيقة.
أي: كوشف بنورها.
٢٩٥- ظاهر عليه سناها.
أي: نورها، فلما دهته الأنوار سكر أنكر الحكمة. فهو باعتبار ما قبله كامل لاستغراقه في بحر الوحدة، و هو معذور في نفيه الحكمة لغلبة وجده و ظهور سكره، و باعتبار ما عبد ناقص لقصور نفعه على نفسه، و إن كان قد سلك الطريق و أتى على غايتها حتى وصل إلى التحقيق، كما بين ذلك بقوله:
٢٩٦- سالك للطريقة.
أي: لو لا سلوكه مع الطريق ما استنارت له معالم التحقيق، و إنما فاته أنوار التشريع و أسرار الحكمة، و أما الطريق فقد سلكها و أتى على غايتها، كما ذكره:
٢٩٧- قد استولى على مداها.
يعني على غايتها فلا وصول للحقيقة إلا بعد سلوك الطريقة، و تحقيق ظاهر الشريعة قال تعالى: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها [البقرة: ١٨٩]، فلا باب لبيت الحقيقة إلا من جهة الشريعة و الطريقة، فإذا وصل إلى الحقيقة فمن الناس من يكون صدره ضيقا، فلا يحتمل تلك الأنوار، و لا يطيق مشاهدة تلك الأسرار فيغيب في شهود الوحدة، و ينكر الحكمة، و من الناس من يكون واسع الصدر قوي النور، فإذا أشرقت عليه أنوار الحقيقة لم تغلبه عن القيام بالحكمة و صار برزخا بين حقيقة و شريعة، هكذا يكون سيره بين فناء و بقاء، حتى يتمكن فيهما،