ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٧٣ - ١٧٤ - ورود الفاقات أعياد المريدين
و مؤجلة، فلأجل هذا آثرت الصوفية الفقر على الغناء، و الشدة على الرخاء، و الذل على العز، و المرض على الصحة لما يحصل لهم بذلك من الرقة و الحلاوة، و كلما ازدادوا فاقة زادهم اللّه قربا و ولاء. و كان بعضهم يطوف حول الكعبة و يقول:
|
مؤتزر بشملتي كما ترى |
وصبية باكية كما ترى |
|
|
و امرأتي عريانة كما ترى |
يا من يرى الذي بنا و لا يرى |
|
|
أما ترى ما حلّ أمّا ترى |
فسمعه بعضهم، فجمع له كسرا و دفعها إليه، فقال له: إليك عني لو كان معي شيء لما أمكنني أن أقول هذا القول. و قال أبو إسحاق الهروي رضي اللّه تعالى عنه: من أراد أن يبلغ الشرف كل الشرف فليختر سبعا على سبع، فإن الصالحين اختاروها حتى بلغوا سنام الخير، اختاروا الفقر على الغنى، و الجوع على الشبع، و الدون على المرتفع، و الذل على العز، و التواضع على الكبر، و الحزن على الفرح، و الموت على الحياة انتهى. و قال بعضهم: إن الفقير الصادق ليتحرز من الغني حذرا أن يدخله، فيفسد عليه فقره، كما يتحرز الغنى من الفقر حذرا أن يفسد عليه غناه، و أنشدوا في أعياد العارفين قالوا:
|
قالوا غدا العيد ما ذا أنت لابسه |
فقلت خلعة ساق حبّه جرعا |
|
|
فقر و صبر هما ثوباي تحتهما |
قلب يرى إلفه الأعياد و الجمعا |
|
|
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به |
يوم التّزاور في الثوب الذي خلعا |
|
|
الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي |
و العيد ما كنت مرأى لي و مستمعا |
|
و قال آخر:
|
قالت هنا العيد بالبشرى فقلت لها |
العيد و البشر عندي يوم لقياك |
|
|
اللّه يعلم أن الناس قد فرحوا |
فيه و ما فرحتي إلا برؤياك |
|
ثم بيّن وجه كون الفاقة عيدا، فقال: