ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٧٥ - ١٧٥ - ربما وجدت من المزيد في الفاقات ما لا تجده في الصوم و الصلاة ١٧٦ - الفاقات بسط المواهب ١٧٧ - إن أردت بسط المواهب عليك صحح الفقر و الفاقة لديك، إنما الصدقات للفقراء و المساكين
و المراد بالمواهب: معارف و كشوفات و طمأنينة و حكم و علوم و أسرار، ترد على القلوب من خزائن الغيوب، حال صفائها و تصفيتها من الغيرية، و أصفى ما يكون القلب حين تذهب النفس، و ذهاب النفس إنما يكون بترك حظوظها، و لا يتحقق ذلك في الغالب إلا في حال الفاقة و الفقر، و لذلك كانوا يفرحون بالفقر، و يحزنون من الغنى، فتح على بعضهم بشيء من الدنيا، فقال: هذه عقوبة لم أدر ما سببها؟. و قال الهروي رضي اللّه تعالى عنه: الفقر صفة مهجورة، و هى ألذ ما يناله العارف لكونها تدخله على اللّه، و تجلسه بين يديه، و هو أعم المقامات حكما لقطع العوائق، و التجرد من العلائق، و اشتغال القلب باللّه. قيل: الفقير الصادق لا يملك و لا يملك، و قيل لسهل رضي اللّه تعالى عنه: متى يستريح الفقير؟ قال: إذا لم ير في كل وقت غير ربه. و قال الشبلي رضي اللّه تعالى عنه: الفقير لا يستغني بشيء دون اللّه. و قال السهروردي رضي اللّه تعالى عنه في عوارف المعارف: الفقر أساس التصوف و به قوامه، و يلزم من وجود التصوف وجود الفقر، لأن التصوف اسم جامع لمعاني الفقر، و الزهد مع زيادة أحوال لا بد منها للصوفي، و إن كان فقيرا زاهدا. و قال بعضهم: نهاية الفقر بداية التصوف، لأن التصوف اسم جامع لكل خلق سني، و الخروج عن كل خلق دني، لكنهم اتفقوا ألا دخول على اللّه إلا من باب الفقر، و من لم يتحقق بالفقر لم يتحقق بشيء مما أشار إليه القوم، و التحقق بالفقر هو الاستئناس به، و الاغتباط بحصوله، و الاستقرار معه حتى يكون عنده أحلى من العسل، و يكون المال عنده أمرّ من الحنظل، فحينئذ تترادف عليه المواهب، و تتسع له المعارف حتى يكون أغنى الأغنياء. قال بعض الصالحين: كان لي بعض مال فرأيت فقيرا في الحرم جالسا منذ أيام و لا يأكل و لا يشرب و عليه أطمار رثة، فقلت: أغنيه بهذا المال، فألقيته في حجره، و قلت: استعن بهذا على دنياك، فنفض بها في الحصباء و قال لي: اشتريت هذه الجلسة مع ربي بما ملكت، و أنت تفسدها عليّ ثم انصرف و تركني ألقطها، فو اللّه ما رأيت أعز منه لما بددها، و لا أذل مني لما كنت ألتقطها، و هذا هو تصحيح الفقر و الفاقة ظاهرا و باطنا، و كان بعضهم إذا أصبح عنده شيء أصبح حزينا، و إذا لم يصبح عنده شيء أصبح فرحا مسرورا، فقيل له: إنما