ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٦٨ - ٦٣ - من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان
فقوم بسط اللّه عليهم النعم و صرف عنهم البلايا و النقم، و رزقهم الصحة و أمدهم بالأموال و العافية، فأدوا حقها و قاموا بشكرها و تشوقوا إلى معرفة المنعم بها، فكانت مطية لهم على السير إليه، و معونة لهم على القدوم عليه، أخرجوها من قلوبهم و جعلوها في أيديهم و قليل ما هم، قال تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣]، و في مثل هؤلاء ورد الحديث: «نعمت الدّنيا مطيّة المؤمن، عليها يبلغ الخير و بها ينجو من الشّرّ[١]» أو كما قال ٧. قال بعض أصحابنا:
جعل ٧ الدنيا مطية للمؤمن حاملة له، و لم يجعل المؤمن مطية لها حتى يتكلف حملها، فهذا يدل على أنها في يده، يستعين بها على السير إلى ربه، لا أنها في قلبه حتى يرتكب المشقة في طلبها، و اللّه تعالى أعلم. و قوم أمدهم اللّه بالنعم و بسط لهم في المال و العافية و صرف عنهم النقم، فشغلهم ذلك عن النهوض إليه و منعهم من المسير إلى حضرته، فسلب ذلك عنهم و ضربهم بالبلايا و المحن، فأقبلوا على اللّه بسلاسل الامتحان: «عجب ربّك من قوم يساقون إلى الجنّة بالسّلاسل». و قد مدح اللّه الغني الشاكر و الفقير الصابر بمدح واحد فقال تعالى في حق سليمان: وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠].
و قال في حق أيوب ٧: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٤٤]. و قال بعضهم: لأن أعطى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر.
و كان الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه يرجح الغني الشاكر على الفقير الصابر، و هو مذهب ابن عطاء، و مذهب أبي عبد اللّه الترمذي الحكيم رضي اللّه تعالى عنه يقول: الشكر صفة أهل الجنة، و الفقر ليس كذلك قاله في لطائف المنن، و التحقيق أن الفقير الصابر هو الغني الشاكر و بالعكس، لأن الغني إنما هو باللّه، فإذا استغنى القلب باللّه، فصاحبه هو الغني الشاكر، و لا عبرة بما في
[١] - رواه أبو نعيم في الحلية( ٦/ ٢٢٠)، و الديلمي في الفردوس( ٥/ ١٠)، و ابن عدي في الكامل( ١/ ٣٠٩).