ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٦٦ - ٣٥٤ - إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك، و كلما أيأستني أوصافي أطعمتني مننك
و من نظر إلى سعة كرم اللّه وبره، ثم نظر إلى عجز نفسه و فقره، طرح أحمال الهموم عن ظهره، و اكتفى بعلم مولاه و نظره، كما أشار إلى ذلك في المناجاة الحادية عشرة بقوله:
٣٥٤- إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك، و كلما أيأستني أوصافي أطعمتني مننك.
قلت: العبد إذا نظر أوصاف نفسه اللئيمة و أفعالها الذميمة، استحي من اللّه أن يرفع إليه حاجة يطلبها، و خرس لسانه عن النطق بها، لأنه يرى من خساسة نفسه و لآمتها مالا تستحق بذلك إلا العقوبة و الطرد، فإذا نظر إلى سعة كرم اللّه وجوده و إحسانه و بره، انطلق لسانه بالسؤال، و طمع فيما له من سعة العطاء و النوال، و قد تقدم قوله: إن أردت أن ينفتح لك باب الرجاء فانظر ما منه إليك، و إن أردت أن ينفتح لك باب الحزن فانظر ما منك إليه. و لا شك أن من نظر نفسه بعين الإنصاف لم يجدها أهلا لغير العقوبة، إما من جهة الغفلة و التقصير، و إما من قلة الوفاء بالشكر و الحمد، و لهذا ورد في بعض الأدعية:
اللهم افعل بنا ما أنت له أهل و لا تفعل بنا ما نحن أهله.
و قال بعض أهل التشديد من العباد: لا ينبغي للعبد أن يرى نفسه إلا شبه نجس، إن جلس مع الداعين لم يراهم إلا منعوا الإجابة من سببه، و لو سجد على الجمر لم ير عمله أهلا للقبول، و لو كانت نفسه في غاية التزكية لم يرها أهلا لمدح و لا لثناء، و متى ما تمسح الناس بثيابه تبركا فإنما يرى نفسه كالبكر المزفوفة لبعلها و هي مفتضة بفجور؛ كلما طافوا بها و عظموا شأنها زاد حزنها من خوف الفضيحة. قلت: كل من تحقق زواله عن نفسه و بقاءه بربه، فلا حرج عليه في ثنائه و مدحه، إذ ليس هو الممدوح، و إنما الممدوح من فضله عليك ممنوح، و كل من مد يده للتقبيل، و لم يرها يد الجليل كان القطع في حقها من القليل: إِنَ