ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٤٢ - ٩٩ - فاقتك لك ذاتية، و ورود الأسباب مذكرة لك بما خفي عليك منها، و الفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض
٩٩- فاقتك لك ذاتيّة، و ورود الأسباب مذكّرة لك بما خفي عليك منها، و الفاقة الذاتيّة لا ترفعها العوارض.
قلت: الفاقة الذاتية هي الأصلية الحقيقية، و الأسباب المحركة لها هي العوارض الجلالية، و هي كل ما يقهر النفس و يزعجها عن حظوظها و تصرفاتها العادية، و إنما كانت فاقتنا ذاتية لا تفارقنا ساعة واحدة لأن نشأتنا مركبة من حس و معنى، و لا يقوم الحس إلا بالمعنى- و المعنى هو أسرار الربوبية القائمة بالأشياء، فأشباحنا مفتقرة في كل لحظة إلى نعمة الإمداد بعد نعمة الإيجاد- و لا الحكمة إلا بالقدرة، و لا البشرية إلا بالروحانية، و الروح سر من أسرار اللّه، قال تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥]، فالبدن قائم بالروح، و الروح أمر من أمر اللّه، و كل شيء قائم بأمر اللّه؛ فافتقار البشرية للروحانية حاصل على الدوام، قال تعالى في نعمة الإيجاد: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥]، فهذا هو الافتقار إلى نعمة الإيجاد، ثم قال في نعمة الإمداد: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر: ١٦]، و هذا هو افتقارنا إلى نعمة الإمداد، و قال تعالى في افتقار بقية العالم: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر: ٤١]، فالكون كله قائم بأمر الربوبية مظهر من مظاهرها لا قيام له بدونها. قال الشيخ أبو مدين رضي اللّه تعالى عنه: الحق سبحانه مستبد و الوجود مستمد، و المادة من عين الجود، فإذا انقطعت المادة أى: مادة المعنى انهد الوجود انتهى. و المراد بالوجود: ظهور الحس و عين الجود هو المعاني اللطيفة القديمة يعني أن الحق تعالى مستبد أي قائم بنفسه، و ظهور تجلياته مستمدة من باطن صفاته، و مادة الأشياء كلها من عين الجود، و هي نعمة الإيجاد و الإمداد، فإذا انقطعت المادة أي مادة المعنى من الحس اضمحل الحس و اضمحلت الأكوان، فلو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته، ففاقتك أي افتقارك أيها الإنسان لك ذاتية، أي أصلية حقيقية، لكنها خفية،