ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٠٧ - ١٣٥ - ما صحبك إلا من صحبك و هو بعيبك عليم، و ليس ذلك إلا مولاك الكريم
قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: إذ لو لا ستره عن المعاصي ما كنت مطيعا، و لو لا ستره فيها لكنت مهانا عند الخلق و مخصوصا بالمقت بينهم، وَ لَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧]، فالخلق كلهم إنما يتعاملون بينهم بستر مولاهم، و لو خلّى عبده من ستره لأبغضه أحب الناس إليه، و لآذاه أشفق الخلق عليه، و لأهلكه أرأف الخلق به، و للّه در القائل:
|
يظنّون بي خيرا و ما بي من خير |
و لكنّني عبد ظلوم كما تدري |
|
|
سترت عيوبي كلّها عن عيونهم |
و ألبسنتي ثوبا جميلا من السّتر |
|
|
فصاروا يحبّوني و ما أنا بالذي |
يحبّ و لكن شبّهوني بالغير |
|
|
فلا تفضحنّي في القيامة بينهم |
و كن لي يا مولاي في موقف الحشر |
|
و لما بلغت الإذاية كل مبلغ من حبيب اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ما زاد على أن قال: «لا غني لي عن عافيتك، عافيتك أوسع لي[١]» الحديث انتهى. و سيأتي التقسيم في شهود الخلق في حالة النعم، و أن الناس على ثلاثة أقسام: قوم عوام لا يشهدون إلا الخلق، و قوم خواص لا يشهدون إلا الخالق، و قوم خواص الخواص يشهدون الخالق في الخلق، و الموسوط في الوسطة، فيعطون كل ذي حق حقه كما يأتي مبينا إن شاء اللّه. و إذا تحققت أن الذي أكرمك هو الذي ستر عيوبك و غطى مساوئك، بعد اطلاعه على خفاياها، و علمه بخباياها، فاتخذه صاحبا، و كن له مراقبا، ودع الناس جانبا، كما نبه عليه بقوله:
١٣٥- ما صحبك إلا من صحبك و هو بعيبك عليم، و ليس ذلك إلا مولاك الكريم.
قلت: و إذا علمت أنه ليس لك صاحب إلا مولاك فاعرف حقيقة صحبته، و الزم الأدب في ظاهرك و باطنك، و استحي منه أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك. و في الحديث عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال لأصحابه:
[١] - لم أقف عليه.