ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٠٩ - خير من تصحب من يطلبك لا لشيء يعود منك إليه
يشاء بلا عمل، و يبعد من يشاء بلا زلل: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ [الأنعام: ١١٣]، لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الرعد: ٣٣]، و كلامنا إنما هو مع أهل التحقيق، و أما باعتبار الحكمة و أهل التشريع فلا يظلم ربك أحدا، و لكن فاعل السبب هو فاعل المسبب: «من وجد خيرا فليحمد اللّه، و من وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه[١]»، و للجيلي رحمه اللّه:
|
إذا كنت في حكم الشريعة عاصيا |
فإنّي في حكم الحقيقة طائع |
|
فخير من تصحبه أيها الإنسان مولاك، الذي يطلبك لحضرته و يجتبيك لمحبته، من غير نفع يعود منك إليه، و إنما هو برور و إحسان منه إليك، فكيف تتركه و تطلب الأنس بغيره و ضرره أقرب من نفعه. قال بعضهم: جرب الناس تجدهم عقارب، فإذا طلبت الصحبة فاصحب العارفين الذين ينهضك حالهم، و يد لك على اللّه مقالهم، و للّه در صاحب العينية حيث يقول في عينيته:
|
فشمّر ولذ بالأولياء فإنّهم |
لهم من كتاب الحقّ تلك الوقائع |
|
|
هم الذّخر للملهوف و الكنز و الرّجا |
و منهم ينال الصّبّ ما هو طامع |
|
|
بهم يهتدي للعين من ضلّ في العمى |
بهم يجذب العشّاق و الرّبع شاسع |
|
|
هم القصد و المطلوب و السّؤل و المنى |
و اسمهم للصّبر في الحبّ شافع |
|
|
همّ النّاس فالزم إن عرفت جنابهم |
ففيهم لضرّ العالمين منافع |
|
و قال في التحذير من صحبة غيرهم من الغافلين و العوام:
|
و قاطع لمن واصلت أيّام غفلة |
فما واصل العذّال إلا مقاطع |
|
|
و جانب جناب الأجنبيّ لو انّه |
لقرب انتساب في المنام مضاجع |
|
|
فللنّفس من جلاسها كلّ نسبة |
و من خلّة للقلب تلك الطّبائع |
|
[١] - ذكره ابن عدي في التعريفات( ١/ ١٧٣).