ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٩٧ - ١٩٠ - لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، فإن كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم
السؤال. و الذي يظهر لنا في تركه اليوم أحسن من استعماله، إذ زالت هيبته و صار حرفة من الحرف، فصارت نفس كثير من الفقراء تبطش إليه، و ما ذلك إلا لما فيه من الحظ عندها، و اللّه تعالى أعلم. و أما ما يأخذه من السؤال فإن كان فقيرا إليه أخذه، و إن كان غنيّا عنه تصدق به خفية بالليل مثلا. و كان شيخ شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول: كان قصدنا من السؤال قوت الأرواح، فلما خرج منه قوت الأشباح تبارك اللّه، يعني فيأخذه من اضطر إليه، و باللّه التوفيق. و هذه الحكمة التي ذكرها الشيخ هي من أعظم المهمات التي يحتاج إليها أهل التجريد، و ليس مقصوده الكلام على السؤال، إنما مقصوده الدلالة على تربية اليقين، و عدم التشوف إلى المخلوقين، فلا يعلق قلبه بالمخلوق، فإن تشوف إليه فينبغي ألا يقبض ما يعطاه، و لا يمد يده إلى الأخذ منه، حتى يرى أن المعطي هو اللّه، و يكون ذلك ذوقا و حالا. قلت: و هذا الشرط إنما هو فيما يأخذ بغير سؤال، و أما في حال السؤال فلا يشترط بل يكون علما و مجاهدة حتى يصير حالا و ذوقا، و أما ما يأخذ بغير سؤال فلابد من هذه المعرفة. و قال شيخ شيخنا: لا تشترط هذه المعرفة بل يكفيه العلم فيها، و هو الأصح ما لم تتشوف نفسه إلى الخلق، فإن تشوفت نفسه فليكف عن القبض من الخلق، و ليكتف بضمان الملك الحق، قال تعالى: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦]. قيل لبعضهم: كيف خرجت من الدنيا بعد أن كانت في يدك؟ قال: نظرت منصفا لنفسي في معنى قوله تعالى: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها فرأيت جميع الخلق من البعوضة إلى الفيل تكفّل اللّه لهم بالرزق، ففوضت أمري إليه و اشتغلت بالعبادة. و قال عيسى ٧: لا تهتموا بالرزق، فإن الذرة على صغرها تؤتى كل يوم برزقها الحديث، و قال أيضا ٧: عجبت لمن يعمل للدنيا و هو يرزق فيها بلا عمل، و لا يعمل للآخرة و هو لا يرزق فيها إلا بالعمل، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «من كان همّه الآخرة جعل اللّه غناه في قلبه، و أتته الدنيا و هي راغمة، و من كان همه الدنيا جعل اللّه فقره بين عينيه، و لم يأته من الدنيا إلا ما قدّر له، و إنّ الرزق ليطلب العبد كما يطلبه[١]»، و كان يحيى بن
[١] - رواه البيهقي في الشعب( ٧/ ٣٦١)، و هناد في الزهد( ٢/ ٣٤٥)، ابن عاصم في الزهد( ٣٣).