ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٣٦ - ٩٦ - معصية أورثت ذلا و افتقارا، خير من طاعة أورثت عزا و استكبارا
حجر فإذا قام ذهب كسله، وجد في سيره، و في الحديث: «ربّ ذنب أدخل صاحبه الجنّة، قالوا: و كيف ذلك يا رسول اللّه؟ قال: لا يزال تائبا فارّا منه خائفا من ربه حتّى يموت فيدخل الجنّة[١]»، أو كما قال ٧، و في حديث آخر عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «و الذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم و لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم[٢]» انتهى، قال صلى اللّه عليه و آله و سلم في شأن الطاعة التي لم تقبل «ربّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، و قائم ليس له من قيامه إلا السهر[٣]»، فمثل هذه الطاعة تكون المعصية التي يصحبها الانكسار أحسن منها بكثير كما أبان ذلك بقوله:
٩٦- معصية أورثت ذلّا و افتقارا، خير من طاعة أورثت عزّا و استكبارا.
قلت: إنما كانت المعصية التي توجب الانكسار أفضل من الطاعة التي توجب الاستكبار لأن المقصود من الطاعة هو الخضوع و الخشوع و الانقياد و التذلل و الانكسار، «أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي» فإذا خلت الطاعة من هذه المعاني و اتصفت بأضدادها فالمعصية التي توجب هذه المعاني و تجلب هذه المحاسن أفضل منها، إذ لا عبرة بصورة الطاعة، و لا بصورة المعصية، و إنما العبرة بما ينتج عنهما: «إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم و لا إلى أعمالكم، و إنّما ينظر إلى قلوبكم[٤]»، فثمرة الطاعة هي الذل و الانكسار، و ثمرة المعصية هي القسوة و الاستكبار، فإذا انقلبت الثمرات انقلبت الحقائق صارت الطاعة معصية،
[١] - لم أقف عليه.
[٢] - رواه أبو يعلى في معجمه( ١/ ٩٩).
[٣] - رواه أحمد في المسند( ٢/ ٣٧٣)، و ابن ماجه( ١/ ٥٩٣).
[٤] - رواه مسلم( ٤/ ١٩٨٦).