ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٠٢ - ١٩٤ - قيد الطاعات بأعيان الأوقات، لئلا يمنعك عنها وجود التسويف، و وسع عليك الوقت ليبقي لك حصة الاختيار
الهوى و محبة المولى، و باللّه التوفيق. و لما كان من شأن النفس الأمارة التكاسل عن الطاعات قيدها الحق تعالى بأعيان الأوقات، كما أبان ذلك بقوله:
١٩٤- قيّد الطاعات بأعيان الأوقات، لئلا يمنعك عنها وجود التسويف، و وسّع عليك الوقت ليبقي لك حصّة الاختيار.
قلت: من شأن النفس تسويف العمل و تطويل الأمل، فلو تركت مع اختيارها ما توجهت قط إلى ربها، و لما علم الحق سبحانه أن من عباده من لا تنهضه المحبة و لا يسوقه إليه مجرد الرغبة، و إنما تسوقه إليه سلاسل الامتحان بتخويف النيران، أو شبكة الطمع بنعيم الجنان، أوعد من حاد عن طاعته بالعذاب الأليم، و وعد من أطاعه و تقرب إليه بالنعيم المقيم، ثم فرض عليهم ما تظهر فيه طاعته من الأحكام و الفرائض و عين لها أوقاتا مخصوصة، إذ لو ترك ذلك لاختيار عباده ما أقبل عليه بها إلا القليل من أهل محبته و وداده، و من رحمته تعالى أن وسع عليهم في تلك الأوقات، فبقي لهم في ذلك ضرب من الاختيار. فوسع الظهر مثلا إلى العصر، و العصر إلى الاصفرار، و المغرب إلى العشاء، و العشاء إلى نصف الليل، و الصبح إلى قرب الطلوع، فقد قيد لك أيها العبد الطاعات التي أوجبها عليك بأعيان الأوقات، لئلا يمنعك التسويف من فعلها، فيؤدي ذلك بك إلى تركها، و وسع عليك الوقت ليبقى لك حصة: أي ضربا و نصيبا من الاختيار، إذ لو ضيق عليك الوقت لكان ذلك في غاية الحرج، و الاضطرار، فالحمد للّه على منته وسعة رحمته. و قد قيل: إن اللّه سبحانه يقول لعبده: «ألم أخرجك من العدم إلى الوجود؟
و أمدك بأمداد الفضل و الجود؟ جعلت لك نورا في بصرك لتدرك به أدلة قدرتي و عظيم آياتي؟
و جعلت لك نورا في بصيرتك لتفهم به خطابي، و تتقي بالطاعة عقابي و ترجو ثوابي؟ فوعدتك الثواب على الطاعة، و أوعدتك العقاب على المخالفة، ثم كلفتك من العمل ما تطيق، و وسعت عليك في الأوقات كل ضيق، فلو أنك قضيت ما أوجبت عليك في أول عمرك في آخره لقبلته منك، فمن ذا الذي منعك من الامتثال و لم يكن بك عذر غير الغواية و الضلال؟» انتهى.
و قد قيل في المثل: من طلب جاب، و من هاب خاب، و انظر قرن اللّه الهداية بالمجاهدة، و أوجب