ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٦٧ - ١٧٠ - علم أن العباد يتشوفون إلى ظهور سر العناية، فقال يختص برحمته من يشاء البقرة ١٠٥ ، و علم أنه لو خلاهم و ذلك لتركوا العمل اعتمادا على الأزل، فقال إن رحمت الله قريب من المحسنين الأعراف ٥٦
يأنس بكل شيء، و لا يستوحش من شيء. قال أبو تراب رضي اللّه تعالى عنه: العارف به يصفو كدر كل شيء، و لا يكدره شيء انتهى. و قال أبو سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه: إن اللّه يفتح للعارف على فراشه ما لا يفتح له و هو قائم يصلي. و قال بعضهم: العارف من أنس بذكر اللّه حتى استوحش من خلقه، و افتقر إلى اللّه تبارك و تعالى، فأغناه عن خلقه، و ذل إلى اللّه تبارك و تعالى فأعزه اللّه في خلقه. و في زبور داوود: «بلغ أهل رضائي أني حبيب لمن أحبني، و جليس لمن جالسني، و أنيس لمن أنس بذكري، و صاحب لمن صاحبني، و مختار لمن اختارني، و مطيع لمن أطاعني، بعزتي حلفت ما أحبني عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي و أحببته أشد مما أحبني، و من طلبني وجدني، و من طلب غيري لم يجدني، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها، و هلموا إلى كرامتي و مصاحبتي و مجالستي، و أنسوا بذكري أؤنسكم بي، و أسرعوا إلى محبتي أسرع إلى محبتكم، فإني خلقت طينة أحبّتي من طينة إبراهيم خليلي، و موسى كليمي، و عيسى روحي، و محمد صفيي، و خلقت قلوب المشتاقين من نوري، و نعمتها بجلالي و جمالي» انتهى.
و لما كان الاعتماد على السابقة يقتضي ترك العمل بين سر ذلك بقوله:
١٧٠- علم أن العباد يتشوّفون إلى ظهور سرّ العناية، فقال: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ١٠٥]، و علم أنه لو خلاهم و ذلك لتركوا العمل اعتمادا على الأزل، فقال: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦].
قلت: لما أخبر اللّه سبحانه في كتبه على ألسنة رسله أن المدار إنما هو على السابقة، فمن سبقت له العناية لا تضره الجناية، تشوق الخلق كلهم إلى ظهور سر هذه العناية، فكل واحد يظن أنه من أهلها، فأخبرهم الحق تعالى أن ذلك السر إنما هو للبعض دون البعض، فقال:
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ١٠٥]، فأسندها إلى مشيئته دون مشيئتهم، فعلموا أن ذلك إنما هو للبعض دون الكل، لأن كل واحد يطمع أنه من ذلك البعض، فربما يتركون العمل و يعتمدون على سابق الأزل، فأخبرهم الحق تعالى أن ذلك السر له علامات تدل على