ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٨٥ - ١٨٤ - من أذن له في التعبير حسنت في مسامع الخلق عبارته، و جلبت إليهم إشارته
حوانيت مغلقة، فإذا تكلموا فقد فتحوا، هناك يتبين البيطار من العطار، و قالوا أيضا: الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، و إذا خرج من اللسان حده الآذان، و إنهاض الحال أكثر من المقال، و إذا اجتمع الحال و المقال فهو البحر الطام، و النجم الثاقب التام. و قال بعض العارفين: من كان قلبه روحانيّا كان كلامه معنويّا ينزل من القلوب في أوسع ساحاتها، و من كان قلبه نفسيا كان كلامه حسيّا، يعني لا يتكلم إلا في الحس، و لا يخوض إلا فيه، و من طمس أذن قلبه حجب الدنيا، فلا يسمع و لا يسمع، و قد يكون من الناس من هو عالم اللسان جاهل القلب، و علامته ترجيح حديث الدنيا على حديث الآخرة، أو حديث الحس على حديث المعنى، و من مثل هذا الحذر الحذر، لأن قلبه ميت، فكلامه كله على الميتة، و الميتة هي الجيفة قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «الدنيا جيفة و طلابها كلاب[١]»، فمن تكلم على الدنيا، فمثله كالكلب، و لا خير في كلب و لو كان عالما، قاله الشطيبي، ثم إن هذه الكسوة التي تبرز على الكلام إنما هي من نتائج الإذن من اللّه فيه، و أما إذا لم يكن إذن فيه فلا كسوة عليه، كما أبان ذلك بقوله:
١٨٤- من أذن له في التعبير حسنت في مسامع الخلق عبارته، و جلبت إليهم إشارته.
قلت: الإذن في التعبير إنما يكون على يد الشيخ الكامل العارف الذي أهلّه اللّه للتربية، و نصّبه للتوصيل و الترقية، فإذا رأى على تلميذه أهلية التذكير أذن له في التعبير، فإذا عبر أخذ بمجامع القلوب، و فاض من لسانه أسرار علم الغيوب، فتحسن في مسامع الخلق عبارته، و تجلى إليهم إشارته أي تظهر و تفهم، و لا عبرة عند المحققين بلحن الكلام و إعرابه، و لا خطأ في رفعه و نصبه من صوابه، و إنما العبرة بالمعاني دون القوالب و الأواني، يحكى أن بعض النحويين دخل مجلس الحسن بن سمعون ليسمع كلامه فوجده يلحن، فانصرف ذامّا له، فبلغ ذلك الحسن، فكتب له: إنك من كثرة الإعجاب رضيت بالوقوف دون الباب، فاعتمدت على ضبط أقوالك مع لحن أفعالك، و إنك قد تهت بين خفض و رفع و نصب و جزم، فانقطعت عن المقصود، هلّا
[١] - ذكره المناوي في فيض القدير( ١/ ١١٢).