ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦٠٧ - ٤٢٨ - يا من احتجب في سرادقات عزه عن أن تدركه الأبصار
تعالى أعلم.
٤٢٨- يا من احتجب في سرادقات عزّه عن أن تدركه الأبصار.
قلت: السرادقات في اللغة هى الأسوار المحيطة بالدار، و هي هنا كناية عن الحجب القهرية، و هي حجب العزة التي احتجب الحق تعالى بها عن عباده مع شدة ظهوره، و مرجعها إلى دوائر الحس و الوهم و الغفلة و الأكنة التي على القلوب، و تنحصر في خمسة أمور: الأول: حب الدنيا الذي زرعه الحق تعالى بقهره في قلوب الناس حتى انصرفت إليها الهمم، و تاهت فيها العقول، و تظلمت بصور خيالها القلوب، و اشتبكت فيها الفكر، فلا تنصرف إلى غيرها، و بهذا احتجب جل العباد إلا من عصم اللّه. الثاني: ارتباط الأسباب مع مسبباتها، و العوائد مع ما تعودت بها، كتوقف أمر الرزق على حركة السبب، و النبات على وجود الأمطار، و غير ذلك من ارتباط الأسباب، فظن الجهال أنها لا تنفك عن مسبباتها، فحجبوا بها عن مسبب الأسباب و الحكيم العليم يرزق من غير أسباب و يعطي بلا حساب، و بهذا احتجب كثير من الناس فوقفوا مع الأسباب؛ و حجبوا عن شهود رب الأرباب، إلا من نفذت بصيرته من ذوي الألباب.
الثالث: الوقوف مع ظاهر الشريعة ترغيبا و ترهيبا علما و عملا، فقوم وقفوا مع الترغيب، فانكبوا على العمل طلبا للجزاء و هم العبّاد. و قوم وقفوا مع الترهيب، فغلب عليهم الخوف و هم الزهاد. و قوم وقفوا مع ترغيب العلم، فاشتغلوا بعلم الرسوم و الحروف، و تركوا علم اليقين و الخشية و المعرفة و هم علماء الظاهر، فحجبوا بالعلم عن المعلوم، و هي معرفة الحي القيوم. الرابع:
الوقوف مع حلاوة الطاعات و لذيذ المناجاة و هي سموم قاتلة لمن وقف معها، و هي لأهل المراقبة بها احتجب كثير من العباد و الزهاد، و قد تظهر لهم خوارق و كرامات حسية، فتزيدهم حجابا عن اللّه. الخامس: ظهور أثر القدرة على هذه التجليات، و اتصافها بأوصاف العبودية. كالفقر و الذل و الجهل و المرض و الموت،