ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٤٢ - ١٥٥ - ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر، إجلالا لها أن تبتذل بوجود الإظهار، و أن ينادى عليها بلسان الاشتهار
و هي التي أشار إليها الحق تعالى بقوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ [آل عمران: ١٤] إلخ الآية، و يدخل فيها ما يلائمها من حب الجاه و الرياسة، و حب المدح و التعظيم، و غير ذلك من شهواتها و عوائدها، و هي التي حجبت جلّ الناس، و ساقتهم إلى الخيبة و الإفلاس، نسأل اللّه العصمة بمنه و كرمه. و يدخل في الأغيار العلوم العقلية و اللسانية، فالاشتغال بها و الوقوف مع حلاوتها من أشد الحجب عن معرفة اللّه، أعني المعرفة الخاصة، و يدخل فيها أيضا الكرامات الحسية، كالطيران في الهواء و المشي على الماء؛ فالوقوف مع ذلك من أشد الحجب أيضا، و لذلك قال بعضهم: أشد حجابا عن اللّه العلماء ثم العباد ثم الزهاد، فسبحان من حجب العلماء بعلمهم عن معلومهم، و العباد بعبادتهم عن معبودهم، و الصالحين بصلاحهم عن مصلحهم، و اللّه من وراء ذلك كله، و في ذلك يقول الششتري رحمه اللّه:
|
تقيّدت بالأوهام لما تداخلت |
عليك و نور العقل أورثك السجنا |
|
|
و همت بأنوار فهمنا أصولها |
و منبعها من أين كان فما همنا تبعّد |
|
|
و قد تحجب الأنوار للعبد مثل ما |
من إظلام نفس حوت ضغنا |
|
و حكمة وجود هذه الأنوار الحسية و الأغيار الظلمانية تغطية و ستر لأنوار السرائر الباطنية، كما أبان ذلك بقوله:
١٥٥- ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر، إجلالا لها أن تبتذل بوجود الإظهار، و أن ينادى عليها بلسان الاشتهار.
قلت: أنوار السرائر هي العلوم اللدنية و المعارف الربانية، و يجمعها علم الربوبية الذي يجب كتمه عن غير أهله، و من أباحه أبيح دمه، و هو الذي قتل بسببه الحلاج، و كثائف الظواهر هي البشرية الظاهرة، أو تقول: أنوار السرائر هي الحرية الباطنية، و كثائف الظواهر هي العبودية الظاهرية، أو تقول: أنوار السرائر هي علم القدرة الباطنية، و كثائف الظواهر هي علم الحكمة الظاهرة، فأنوار السرائر معان لطيفة رقيقة سترها اللّه تعالى بالكثائف الظاهرة، و لذلك وقع