ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٥٧ - ١٠٨ - سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، و ظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية
أن ستر ذلك السر بظهور نقائصه، صونا لذلك السر أن يظهر لغير أهله، و من أفشاه لغير أهله قتل كما فعل بالحلاج، و كما ستر سر الخصوصية بظهور أضدادها ظهر بعظمة الربوبية في مظاهر العبودية. قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية انتهى. إذ الربوبية تقتضي مربوبا موصوفا بضد ما اتصف به ربه من الكمالات الإلهية و النعوت القدسية، فما ظهرت أوصاف الربوبية التي هي الغنى و العز و القدرة و غير ذلك من الكمالات إلا في أضدادها من الفقر و الذل و الضعف و غير ذلك، فالفقر الحقيقي شامل لسائر الموجودات، و الغنى المطلق واجب لمن تجلى في الأرض و السماوات: أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥]، فإذا تقرر هذا علمت أن الإضافة في سر الخصوصية ليست هي للبيان، بل هي للتخصيص، فسر الخصوصية غيرها، إذ الخصوصية هي النور الذي يقذفه اللّه سبحانه في قلوب أوليائه، و سرها هو الكمالات التي تلازم ذلك النور كما تقدم. و اعلم أن سر الخصوصية الذي جعله اللّه في بواطن أوليائه و ستره بظهور وصف بشريتهم قد يظهره عليهم على وجه خرق العادة، فقد يظهر على وليه من قدرته و علمه و سائر كمالاته ما تحار فيه العقول و تذهل فيه الأذهان، لكن لا يدوم ذلك لهم، بل يكون على سبيل الكرامات و خرق العادات، يشرق عليهم شموس أوصافه فيتصفون بصفاته، ثم يقبض ذلك عنهم فيردهم إلى حدودهم، فنور الخصوصية و هي المعرفة ثابت لا يزول، ساكن لا يحول، و سرها و هو كمالاته تعالى تارة يشرق على أفق بشريتهم فيستنير بأوصاف الربوبية، و تارة ينقبض عنهم فيردون إلى حدودهم و شهود عبوديتهم، فالمعرفة ثابتة و الواردات مختلفة، و اللّه تعالى أعلم. و اعلم أيضا أن أوصاف البشرية التي ستر اللّه بها سر الخصوصية إنما هي الأوصاف الذاتية اللازمة للبشر، كالأكل و الشرب و النوم و النكاح، لا الأوصاف المذمومة المناقضة