ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٠٩ - ١٩٩ - من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرفها بوجود فقدانها
و أسخت الأرض من تحته، و لا أبالي كيف أهلكته، يا موسى خمس كلمات ختمت لك بها التوارة، إن عملت بهن نفعك العلم كله، و إلا لم ينفعك شيء منه: الأولى: كن واثقا برزقي المضمون لك ما دامت خزائني مملوءة، لا تنفد أبدا. الثانية: لا تخافنّ ذا سلطان ما دام سلطاني، و سلطاني دائم لا يزول أبدا. الثالثة: لا ترى عيب غيرك ما دام فيك عيب، و العبد لا يخلو من عيب أبدا. الرابعة: لا تدع محاربة الشيطان ما دام روحك في جسدك، فإنه لا يدع محاربتك أبدا. الخامسة: لا تأمن مكري حتى ترى نفسك في الجنة، و في الجنة أصاب آدم ما أصاب، فلا تأمن مكري أبدا انتهى. قلت: و هذا كله تشريع لغيره، و الأنبياء كلهم مطهرون معصومون، و كل ما ورد فيهم من التعليم و التربية فالمراد به غيرهم، و باللّه التوفيق. ثم من منّ اللّه عليه فأخرجه من أسر نفسه، و أطلقه من سجن غفلته، فلم يعرف هذه النعمة سلبها من ساعته، كما أشار إلى ذلك بقوله:
١٩٩- من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرفها بوجود فقدانها.
قلت: هذا الذي ذكره الشيخ مجرب صحيح، و ذلك أن العبد قد تترادف عليه النعم و العوافي فلا يعرف قدرها، و لا تعظم عنده كل التعظيم، فإذا سلبها و ضرب بالبلاء و الأوجاع و المصائب فحينئذ يعرف قدر العافية، و كذلك الفقير يكون مصحوبا بالحضور و الفكرة و النظرة فلا يعظم عنده قدرها، فإذا أصابته الغفلة و رجع إلى الحس و فقد قلبه عرف قدر ما كان عنده، فإذا التجأ و اضطر إلى اللّه رد إليه ما سلبه. قيل: إن اللّه تعالى يقول لجبريل: يا جبريل انسخ حلاوة محبتي من قلب عبدي، أختبره، فينسخ جبريل حلاوة المحبة من قلب ذلك العبد، فإذا هو اضطرب و تضرع و التجأ و بكى، يقول اللّه تعالى لجبريل رد عيه حلاوة محبتي، فقد وجدته صادقا، و إذا نسخ حلاوة المحبة من قلب العبد فلم يبتهل و لم يتضرع، لم يرد إليه شيئا و سلبه تلك الحلاوة، و العياذ باللّه من السلب بعد العطاء. و يستعين العبد على معرفة قدر النعم، بالتفكر فيها، و بالتفكر في حال نفسه قبل وجودها، فينظر إذا كان غنيّا إلى حال فقره المتقدم حسّا أو معنى، و ينظر إذا كان صحيحا إلى حال مرضه، و ينظر إذا كان طائعا في حال عصيانه، و ينظر إذا كان ذاكرا إلى وقت غفلته، و ينظر إذا كان عالما إلى وقت جهله، و بنظر إذا كان مصاحبا