ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٩٣ - ٢٥٣ - كيف تطلب العوض على عمل و هو متصدق به عليك؟ أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك؟
٢٥٢- وجدان ثمرات الطاعة عاجل، و بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجل.
قلت: من وجد في بدايته حلاوة مجاهدته فليستبشر بوجود مشاهدته، و من لم يجدها فلا ييأس من روح اللّه، فإن للّه نفحات تهب على القلوب، فتصبح عند علام الغيوب. أو تقول: من وجد ثمرة عمله في الدنيا فليستبشر بوجود الجزاء آجلا في الآخرة، و قد تقدم هذا للشيخ مرارا، و هذا الجزاء الذي يستبشر به لا ينبغي قصده و لا طلبه، لئلا يكون ذلك قدحا في الإخلاص، كما أبان ذلك بقوله:
٢٥٣- كيف تطلب العوض على عمل و هو متصدّق به عليك؟ أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك؟.
قلت: العبد إنما هو آلة مسخرة، فإذا سخره ربه تحرك و إلا فلا، و إذا كان كذلك فلا نسبة لك في العمل إلا ظهوره عليك حكمة، فكيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك؟
و إذا منّ عليك بصدق العبودية و هو سر الإخلاص، فكيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك؟ و عبر في جهة العمل بالصدقة التي تكون للمحتاجين، و في جهة الصدق بالهدية التي تكون للمحبوبين، لأن العمل الناس مشتركون فيه، إذ جل الناس في العمل و الإخلاص قليل، و أهله أقل من القليل و هم الخواص، أو خواص الخواص. قال الشيخ أبو العباس رضي اللّه تعالى عنه في قوله عليه الصلاة و السلام: «إنّما أنا نعمة مهداة[١]»، الأنبياء لأممهم عطية، و نبينا لنا هدية، و العطية للمحتاجين، و الهدية للمحبوبين. و قال الواسطي رضي اللّه تعالى عنه:
مطالبة الأعواض على الطاعة من نسيان الفضل. و قال أبو العباس بن عطاء: أقرب الأشياء إلى مقت اللّه رؤية النفس و أفعالها، و أشد من ذلك مطالبة الأعواض على أفعالها انتهى. و أعظم
[١] - رواه الحاكم في المستدرك( ١/ ٩١)، و الدارقطني في سؤالاته( ص ١٢٧)، و البيهقي في الشعب( ٢/ ١٤٣)، و الحكيم في نوادر الأصول( ٣/ ١٤٩)، جميعهم بلفظ رحمة- بدل- نعمة.