ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٠١ - ٢٦٣ - الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له
نهايتها، و لو تكلم عليهما معا لكان أحسن كما فعل فيما يأتي حيث قال: الفكرة فكرتان إلخ.
و قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: الفكرة انبعاث القوة الإدراكية في عالم الغيب و الشهادة ليدرك حقيقة الأشياء على ما هي عليه، و من وجد ذلك فهو عارف انتهى. و قيل: إنما عبر الشيخ بالأغيار و هي المخلوقات لقوله ٧ و قد رأى قوما يتفكرون فقال لهم: «تفكّروا في الخلق و لا تفكّروا في الخالق، فإنّكم لا تقدّرون اللّه حقّ قدره[١]» انتهى. قلت: إنما نهى ٧ عن التفكر في كنه الذات و إدراك الحقيقة، و أما التفكر في عظمة الذات و قدمها و بقائها و وحدانيتها و تجلياتها في ظهورها و بطونها فهذا لا ينهي عنه، لأنه سبب المعرفة مع العجز عن إدراك الكنه. و التحقيق أن أهل الحجاب لا يحل لهم التفكر إلا في المصنوعات، و أما أهل العرفان فلا يتفكرون إلا في عظمة الذات: أي في عظمة الصانع و توحيده و قدمه و بقائه و طهوره و احتجابه، و في الغيبة عن الحس و شهود المعنى، أو في الغيبة عن الكوّن بشهود المكون، أو في الغيبة عن الظلمة بشهود النور، و هو سراج القلب الذي أشار إليه بقوله:
٢٦٣- الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له.
قلت: الفكرة في عظمة الباري و توحيده نور، فإذا كان القلب مشغولا بالفكرة في عظمة الحق فهو منوّر بنور الحق، و إذا خلا من الفكرة في الحق دخلته الفكرة في الأغيار و هي ظلمة، و لا تجتمع الظلمة و النور أبدا، فالفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت الفكرة في الحق انطفأ نوره بدخول ظلمة الكون فلا إضاءة له، و لذلك قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: أشرف المجالس و أعلاها الجلوس مع اللّه في ميدان الفكرة على بساط التوحيد انتهى. و قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه: أربعة من حازهن فهو من الصديقين المقربين، و من حاز منهن ثلاثة فهو من أولياء اللّه المقربين، و من حاز منهن اثنين فهو من الشهداء المؤمنين، و من حاز منهن واحدة فهو من عباد اللّه الصالحين. أولها: الذكر، و بساطه العمل الصالح، و ثمرته النور. الثاني:
الفكرة، و بساطه الصبر، و ثمرته العلم. الثالث: الفقر، و بساطه الشكر، و ثمرته المزيد منه. الرابع:
[١] - رواه وكيع في الزهد( ٢٢٦)، و هناد في الزهد( ٩٤٦)،( ٩٤٧)، و له أصل في البخاري( ٦/ ٣٣٦)، و مسلم( ١/ ١٢٠)، بنحوه.