ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٨٥ - ٢٤٨ - أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك
و من فضاء الشهود إلى معرفة الملك المعبود، فما دام الإنسان في الكون بحيث لا يشهد إلا الكون، و لا يدرك إلا الحس و لم تفتح له ميادين الغيوب: أي لم يخرج إلى فضاء الشهود فهو مسجون بمحيطاته: أي بالأكوان المحيطة به كالسموات و الأفلاك الدائرة به، فهو في سجن الأكوان محصور أيضا في هيكل ذاته: أي في شكل بشريته و كثائف جسمه، فإذا غلبت روحانيته على بشريته فقد خرجت من حصر الهيكل، و إذا نفذت بصيرته إلى فضاء الملكوت أو بحار الجبروت فقد خرجت من سجن الأكوان إلى شهود المكوّن، فحينئذ تتحرر من رق الأكوان، و تحظى بنعيم الشهود و العيان. و أما ما دام محصورا في الهيكل مسجونا في الأكوان، فهو محجوب عن اللّه و لو كان عالما بالعلوم الرسمية متبحرا فيها، إذ لا يزيده التغلغل فيها إلا حجابا عن اللّه. و قد قال الشيخ أبو الحسن: التغلغل في علم الظاهر يضر بصاحبه في علم الخصوص أو ما هذا معناه. و قال في قوت القلوب: كل من لم يفتح له في هذا العلم علم الباطن فهو من أهل اليمين، و كل من فتح له في علم الباطن فهو من المقربين السابقين انتهى، و هو ظاهر، لأن علم الرسوم لا يخرجه من سجن الأكوان، فهو مع الأكوان على الدوام، و إذا كان مع الأكوان فاته شهود المكوّن، كما قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه:
٢٤٨- أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن، فإذا شهدته كانت الأكوان معك.
قلت: ما دام العبد مقيدا في سجن الأكوان و محصورا في هيكل جسمه فالأكوان حاكمة عليه، فهو يحبها و يعشقها، و هي تبغضه و تبعده عن ربه، و هو يفتقر إليها و هي غنية عنه، و هو يميل إليها و يحرص عليها، و هي تفر منه، و هو يخاف منها و يهابها، و هي تخوفه و ترعبه، فإذا شهد مكونها و غاب عنها و تحرر من رقها كانت حينئذ هي خادمته و هو حاكم عليها، و هي تحبه و تعشقه، و هو مشغوف بحب خالقها، و هي تفتقر إليه و هو غني عنها، و هي تحرص عليه و هو زاهد فيها، و هي تخاف منه و تهابه و هو في أمن منها، فالجنة تشتاق إليه و هو غني عنها. و في