ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٨٧ - ٢٤٩ - لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية
لا ينافي وجودها وجود الخصوصية، فقد قال تعالى في الرسل: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٢٠]، و قال تعالى: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨]. نعم وصف البشرية في حق أهل الخصوصية ليس هو كغيرهم، لأن أهل الخصوصية أمرهم كله باللّه، انقلبت حظوظهم حقوقا، بخلاف غيرهم أنفسهم غالبة عليهم، فتقلباتهم كلها في حظوظ أنفسهم، فإذا تقرر هذا علمت أنه لا يلزم من ثبوت الخصوصية و هي الولاية و المعرفة أو الحرية و معناها واحد عدم وصف البشرية، فالخصوصية محلها البواطن، و وصف البشرية محلها الظواهر، و لذلك اختفت الأولياء و الأنبياء و الرسل عن الناس، لظهور أوصاف البشرية عليهم، فكيف تعرف رجلا يأكل كما تأكل و يشرب و ينام و يتزوج النساء؟ فلا يعرفهم إلا من أراد اللّه سعادته، و ما وقع الإنكار على الأنبياء و الأولياء إلا لاعتقادهم أن أوصاف البشرية تنافي ثبوت الخصوصية، فقد قال الكفار في حقه عليه الصلاة و السلام: وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٧]، فرد اللّه تعالى عليهم بعدم تنافيهما فقال: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [الفرقان: ٢٠] الآية، فهذه الأوصاف التي ذكرنا لا ينفك الطبع البشري عنها، و هي موجودة مع خصوصية النبوة و الولاية، و أما الأوصاف التي هي مذمومة: كالحسد و الكبر و البغض، و العجب و الرياء، و الغضب و القلق، و خوف الفقر و همّ الرزق، و التدبير و الاختيار و غير ذلك، فهذه لا بد من التطهير منها في خصوصية النبوة و الولاية، و قد تقدم قوله: اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك، لتكون لنداء الحق مجيبا و من حضرته قريبا. أما في حق النبي فتطهيره منها واجب، لأنه معصوم من جميع النقائص، و أما في حق الولي فليس بواجب لكنه محفوظ، فقد يصدر منه شيء من هذه الأوصاف المذمومة على سبيل الهفوة و الزلة، و لا تنافي وجود خصوصيته، لكنه لا يصر عليها و لا يدوم فيها، فقد يصدر من الولي الغضب مثلا، و القلق و التدبير و الاختيار، و غير ذلك، لكنه كالريح يضرب و يسرح. قال في النصيحة الكافية: و قد تكون للولي هفوة و هفوات و زلة و زلات و لكن لا يصر عليها. و قيل للجنيد: أيزنى العارف؟ فسكت ثم قال: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب: ٣٨].