ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٨٨ - ٢٤٩ - لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية
قال ابن عطاء اللّه: ليت شعري، لو قيل له: أتكون همة العارف مع غير اللّه؟ لقال: لا انتهى. ثم ضرب مثلا لنور الخصوصية مع ظلمة البشرية الحسية فقال: [إنّما مثل الخصوصيّة كإشراق شمس النّهار ظهرت في الأفق، و ليست منه، تارة تشرق شموس أوصافه على ليل وجودك، و تارة يقبض ذلك عنك فيردّك إلى حدودك، فالنّهار ليس منك إليك و لكنّه وارد عليك]. قلت: مثل الربوبية الذي أشرقه اللّه في قلوب أوليائه و ستره بظهور البشرية، كمثل نور الشمس إذا أشرق على الآفاق، و هو الفضاء الذي بين السماء و الأرض، فإن الفضاء قبل ظهور الشمس مظلم ليس فيه نور، فإذا أشرقت عليه الشمس رجع نورا صافيا، فنورانيته ليست من ذاته، و إنما هي من الشمس، كذلك نور الربوبية هو مستودع في باطن البشرية، فإذا أراد اللّه تعالى أن يظهر خصوصية عبده أشرق ذلك النور على ظاهر بشريته فتستولى روحانيته على بشريته فلا يبقى للبشرية أثر، فتصير البشرية كلها نورا، فنور البشرية ليس منها و لكنه وارد عليها، فتارة تشرق شموس أوصافه و هي الوجود و القدم و البقاء و سائر أوصافه السلبية، و الوجودية و المعاني و المعنوية على ليل وجودك الظلماني الكثيف، فتذهب أوصافك الحادثة العدمية بظهور أوصافه القديمة الأزلية، فيتحقق الوصال، و يذهب الانفصال، و تارة يقبض ذلك النور و يغيبه عنك و يرده إلى باطنك، فترجع إلى شهود عبوديتك، و يردك إلى حدودك، و هذا حال الوارد الإلهي إذا فاض على الإنسان غيبه عن نفسه و اقتطعه عن حسه، فلا يرى إلا أوصاف ربه و ينكر وجود نفسه من أصله، فإذا سكن الوارد رجع إلى شهود نفسه بربه، و رجع ذلك النور إلى باطنه فيكون باطنه نورا على الدوام، و ظاهره تارة يغلب عليه ذلك النور، و تارة تغلب عليه الظلمة: أي العبودية، فنور الوارد ليس من الإنسان من حيث بشريته، و لكنه وارد عليه من حيث روحانيته، كما أن نور الأفق ليس هو من ذات الأفق لكنه وارد عليه من إشراق شمس النهار عليه، و هاهنا مثال آخر، و هو الحديد و الفحمة إذا جعلتهما في النار و نفخت عليهما فإنهما يرجعان من جنس النار، و تكسو النار الحديد كله و الفحمة كلها، فإذا بردا رجع الحديد حديدا و الفحمة فحمة، كذلك البشرية إذا استولت عليها الروحانية صارت كلها روحانية معنوية، فلا ترى إلا المعاني و لا تحس