ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٦٥ - ٣٥٣ - إلهي قد علمت باختلاف الآثار و تنقلات الأطوار أن مرادك مني أن تتعرف إلى في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء
خرج الناس من الدنيا و لم يذوقوا أطيب شيء فيها. قيل: و ما ذاك؟ قال: معرفة اللّه تعالى. و قيل: إنه وجد حجر مكتوب بقلم القدرة: من أحسن كل شيء و لم يعرف اللّه لم يحسن شيئا حتى يعرف اللّه، فإذا عرف اللّه فقد أحسن كل شيء و لم يغب عنه شيء، انتهى. و يكفي من عرف اللّه الراحة من كد الرزق، و تعب الحرص، و تشويش البال منه، و تعلق الوهم به، فإنه لم يؤت أكثر الخلق إلا من الاهتمام به، و لو قنع العبد لاستغني الغني الذي لا فقر بعده و التوكل على الحي الذي لا يموت هو الغني الأكبر، الذي لا يلحقه فقر أبدا. قال الفضيل رضي اللّه تعالى عنه: لا ينبغي للعبد أن يثق بعافية و لا بغني و لا بحالة تسره غير اللّه، و بينما العبد معافى تراه مبتلى، و بينما العبد غنيّا تراه فقيرا، و بينما العبد ضاحكا تراه باكيا، و بينما العبد مسرورا تراه حزينا، و بينما العبد حيّا و إذا به ميت، تعس من وثق بغير اللّه أو ركن لشئ سوى اللّه انتهى. حكي أن رجلا ضاق حاله من أجل المعيشة و طال به الكد و التعب، فخرج هائما على وجهه و دخل الصحراء، فوجد قصرا دارسا خربا قد كشف عنه الريح الرمل، و إذا بكوخ من الرخام في حائط ذلك القصر و فيه مكتوب هذه الحكمة:
|
لما رأيتك جالسا مستقبلا |
أيقنت أنك للهموم قرين |
|
|
مالا يقدر لا يكون بحيلة |
أبدا و ما هو كائن سيكون |
|
|
سيكون ما هو كائن في وقته |
و أخو الجهالة متعب محزون |
|
|
يجرى الحريص و لا ينال بحرصه |
شيئا و يحظى عاجز و مهين |
|
|
فدع الهموم تعر من أثوابها |
إن كان عندك بالقضاء يقين |
|
|
هون عليك و كن بربك واثقا |
فأخو الحقيقة شأنه التهوين |
|
|
طرح الأذى عن نفسه في رزقه |
لما تيقن أنه مضمون |
|