ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٤ - ١١ - ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه
و أجاب بعضهم بأنه إذا جاز لفوت الحياة الفانية فأولى أن يجوز لفوت الحياة الدائمة و هي المعرفة فتأمله، و قصة لص الحمّام تشهد له، و اللّه تعالى أعلم.
و لقد سمعت شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول: الفقير الصديق: يقتل نفسه بأدنى شيء من المباح. و الفقير الكذاب: يقع في المحرم و لا يقتلها و كان كثيرا ما ينهى عن الأحوال الظلمانية، و يقول: عندنا من المباح ما يغنينا عن المحرم و المكروه و أما السؤال فإنما هو مكروه أو حرام لقصد قوت الأشباح مع الكفاية أما لقصد قوت الأرواح فليس بحرام و قد ذكر القسطلاني في «شرح البخاري»، عن ابن العربي الفقيه أنه قال: واجب على الفقير في بدايته فانظره، و قد ذكره في «المباحث الأصلية» مستوفى فانظره. و سيأتي الكلام عليه إن شاء اللّه عند قوله: لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق الخ. فإن قلت: هذا الخراب الذي ذكرت فيه شهرة أيضا إذ الخمول هو الخفاء عن أعين الناس، و هذا فيه ظهور كبير. قلت: الخمول هو إسقاط المنزلة عند الناس، و كتمان سر الولاية و كل ما يسقط المنزلة عندهم و ينفي تهمة الولاية فهو خمول، و إن كان في الحس ظهورا و لذلك كان شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول: طريقتنا منها الخمول في الظهور و الظهور في الخمول. و قال النجيبي في «الإنالة» ما نصه: و من يقل من الصوفية إن المرقعة شهرة فجوابه أن سلمان الفارسي سافر في زيارة أبي الدرداء من العراق إلى الشام راجلا و عليه كساء غليظ غير مضموم فقيل له: أشهرت نفسك فقال: الخير خير الآخرة و إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد فإذا أعتقت لبست حلة لا تبلى حواشيها انتهى. و من ذلك قصة الغزالي رضي اللّه تعالى عنه من حمله جلد الثور على ظهره عند[١] ملاقاة شيخه الخراز و كنسه السوق و استعماله القربة ليسقي الناس كذا سمعتها من الشيخ مرارا و لم أقف عليها عند أحد ممن عرف به، و انظر ما جرى له مع ابن العربي عند قوله: رب عمر
[١] - في المطبوع: حين.